بين البحبوحة والإلحاد- هل من رابط؟

بواسطة | مارس 4, 2024 | متفرقات

يكشف القرآن الكريم اللثام عن نموذج مثير للاهتمام لرفض بعض الناس للدين. ويظهر بأن تحديد الثروة والأولاد كمعيارين للنجاح والمكانة قد يؤدي إلى تشكيل عوائق أمام الامتثال للأوامر الإلهية. يوصف هؤلاء الناس بمن يجدون الأمان والاعتداد بالنفس في ثروتهم، التي قد تصبح سببا للا مبالاتهم الدينية والأخلاقية:
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ. وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالا وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾۱
هذا ويورد القرآن الكريم أمثلة عن الخطايا التي ارتكبها أقوام، شعروا بالراحة والطمأنينة في الموائل التي شيّدوها؛ حيث أفضى انغماسهم في حياة الترف، إلى توليد حالة من الغطرسة التي قوّضت وعيهم الذاتي، ومنعتهم من إدراك مدى ضعفهم، وقلة حيلتهم في كل زمان، ومكان، يشغلونه لفترة وجيزة في هذه الدنيا. فيطرح الله تعالى عليهم في محكم تنزيله السؤال الآتي:
﴿أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾٢
يذكر كونر وود Connor Wood في مقاله: Does Atheism Arise from Wealth (هل يولد الإلحاد من الثروة) بأن: “أصحاب البحبوحة المالية يمتلكون طاقة أكبر لمناقشة عوالمهم الاجتماعية.”٣ وكما كشف هيو ماكلويد Hugh McLeod فإن بداية صناعة الترفيه، وقاعات الموسيقى، و”كثرة المنظمات السياسية، والنوادي الاجتماعية قد حلت محل الكنيسة في الكثير من وظائفها الاجتماعية.”٤ إذ يوجد هنا تصوير شامل للراحة المادية الحديثة، والفرص، وتقدم تلك العوالم الاجتماعية. يشعر العلمانيون، على خلاف المتدينين، بالراحة في لعب الأدوار الاجتماعية المبهمة، لأنهم، وبحسب وود، قادرون على تحمل نتائجها.٥ ويقول ميهاكي سيكسزينتميهاليي Mihaky Csikszentmihalyi: “طالما أن المرء يستنزف أغلب طاقته النفسية في تحقيق الأهداف المادية، فمن الطبيعي عندئذ أن يضمر لديه تقدير المكاسب الأخرى. فيقلّ لديه الاهتمام تدريجيا بالصداقات، والفن، والأدب، والجمال الطبيعي، والدين، والفلسفة.”٦ لقد فصَّل القرآن الكريم في وصف هذه الأمور، أي في تفسير المشاعر التي تتولّد من الأمان والراحة المنبثقان عن الثراء والاستقلال الذاتي؛ فيتنبأ بالسلوكيات الملازمة لتصرفات وأنماط السلوك البشري؛ وفي ضوء هذه المقالة، يستخدم القرآن الكريم الحالات العقلية من النهم إلى العظمة التي تنشأ من الشعور بالاكتفاء الذاتي والحظوة.
توفّر دراسة مثيرة للاهتمام قام بها نيغل باربر Nigel Barber دليلا على وجود علاقة بين وسائل الراحة والراحة التي يتمتع بها الإنسان في الحياة، والعزوف عن الإيمان بوجود قوة أعلى وأسمى.٧ ويرى بأن تشبث الناس بالدين يرتبط بالصعوبات التي يقاسونها في الحياة. ومما لا شك فيه، قد توقظ الأخطار الداهمة التي تواجه الإنسان كخطر الموت على سبيل المثال، الشعور بالعجز والخضوع. يقدّم القرآن الكريم الكثير من الأمثلة حول هذا الميل البشري. كما يزخر التاريخ بأمثلة عن شعوب وجدت عزاءها وسلوانها بالتضرع إلى الله في وقت الأزمات، وذلك في محاولة منها لفهم أعمق للشدائد التي عانوا منها. ويشير باربر إلى أن الناس في المجتمعات الديمقراطية تشعر بسيطرة أكبر على زمام حياتها، نتيجة قلة الخوف من المستقبل والشكوك حوله، بفضل كثرة الوكالات، والمؤسسات، وبرامج الرعاية الاجتماعية التي تيسّر الحصول على الرعاية، والراحة لذوي الحاجة، وتسعى إلى الحد من أخطار الأمراض، والموت المبكّر، ما أدى بدوره إلى تراجع شعورهم بالحاجة إلى الدين.٨
كانت الستينيات من القرن الماضي العقد الذي شهد تغييرا جذريا على الصعيدين الاجتماعي والثقافي في الغرب، وذلك فيما يتعلق بالفرص الاجتماعية المستجدة، وآثارها على الدين. وكان للبحبوحة التي حدثت في ذلك العقد تأثير محوري على تحدي الهياكل الاجتماعية القائمة، ما أعطى الناس شعورا بالامتلاك والهوية، والقدرة على التمتع بما كان يعد سابقا من الكماليات.۹ وشمل ذلك المستوى الاجتماعي، والولاءات السياسية، والهويات المذهبية. وشهد العقد الذي أعقب الحرب ارتفاعا سريعا في زيادة مداخيل فئات كثيرة من أسر أوروبا الغربية، ما أسفر عن تحول شديد في حيوية الحياة الاجتماعية، والوصول إلى وسائل النقل، ومعنى ʾالمجتمعʿ، والحصول على المال. وبالتوازي، أصبحت الأسر قادرة على إمضاء المزيد من الوقت مع بعضها. كما أصبح من الأمور المعيارية للعائلات مشاهدة التلفاز معا، والتفكير بامتلاك منزل، وأن يصبح المنزل، كما يرى ماكلويد، ” مصدرا مهما لتحديد الهوية والرضى.”۱۰وعلى الرغم من إيجابية الازدهار الأولي لأنظمة القيم الاجتماعية المرتبطة بالمنزل، إلا أن المثل العليا الجديدة للحرية، وتحقيق الذات الفردية بدأت تفضي شيئا فشيئا إلى ظهور شباب أكثر جرأة وتمردًا، لجهة تحديه للهياكل الاجتماعية القائمة، وانجذابه إلى روح الحرية الفردية. فمن التغييرات في أنماط الملابس، وتسريحات الشعر، إلى تعاطي المخدرات غير المشروعة، والابتعاد عن أعراف الأخلاق الجنسية، وتخفيف الرقابة على وسائل الإعلام، كانت الكنيسة أكثر من كابد تحديات في قدرتها على التواصل مع جيل يركب موجة الفردية المتمحورة حول الذات. وقد ترجم ذلك في انخفاض أعداد التعميد بشكل كبير.۱۱ ثم ما لبثت النسوية أن أصبحت قوة اجتماعية رئيسية، إلى جانب حركة حقوق المثليين. كما عمد كثيرون إلى مغادرة الكنيسة بعدما أصبحت بريطانيا مجتمعا أكثر تحررا.
يشير جانيل إكليس Janel Eccles إلى أن الإلحاد عاد للظهور في خلال الثورة الثقافية – عقب تأثير ملحدي القرن التاسع عشر روبرت أوين Robert Owen، وتشارلز برادلو Charles Bradlaugh، ثم برتنارد راسل Bertnard Russell وأ. جاي. آير A. J. Ayer(أنظر أيضا باغ Bagg وفوس Voas)۱٢- تحت مسمىʾالمذهب الإنسانيʿ. ومع تأسيس الجمعية الإنسانية البريطانية في سنة ۱۹٦٧م، أصبحت الميول الإلحادية أكثر تقبلا، وذلك بالتزامن مع زيادة البحبوحة على خلفية توفّر فرص توظيف قوية، وتمتّع الشعب البريطاني باستقلالية أكبر.۱٣ ويفترض كل من القديس كلير درايك Clair Drake وهوراس كايتون Horace Cayton الأمر الآتي:
“يتمثل العامل الأهم الذي ساهم بإضعاف نفوذ الكنائس في الجاذبية المركزية للبيئة المدنية. ثمة تنوع مذهل في المذاهب، وفي أنواع الكنائس ضمن كل مذهب. تقدّم الأفلام، وألعاب الكرة، والنوادي الاجتماعية، والمنصات السياسية [وكالات المراهنات غير الشرعية] أشكالا تنافسية للمشاركة، وتلقي بظلال الشك على جميع المفاهيم المطلقة للخطيئة. وتغيب سيطرة المجموعة في المدن الصغيرة. وأصبح ʾالشريرʿ الغني يشكل تحديا أبديا ʾللقديسين المساكينʿ.”۱٤
وبغض النظر عن الثراء المستجد في تلك الفترة، كان ثمة الكثير من العوامل الأخرى التي تفسر تراجع التدين. فخلال تلك الفترة، فقد عدد كبير من الناس عادة العبادة الدينية المنتظمة،۱٥ وأصبحت المجتمعات “المسيحية” سابقًا مجتمعات تعددية إلى حد كبير،۱٦ الأمر الذي أدى إلى فقدان التجانس في المعتقدات والقيم.۱٧ وقال عالم الاجتماع الهولندي ليو لاينديكر Leo Laeyendecker ، في دراسته The Postwar Generation and Establishment Religion in the Netherlands (جيل ما بعد الحرب ودين المؤسسة في هولندا)، بأن ازدياد البحبوحة رمز آنذاك إلى عملية التحديث طويلة المدى. وبالنسبة لكثيرين ، لا سيما الشباب منهم، فقد قوبل التخلص من قيود التقشف في الحرب الباردة بتبني ثقافة شبابية جديدة للمتعة، مقترنة بزيادة الثراء.۱٨
تكشف كارولين غريغوار Caroline Gregoire عن تأكيد علماء النفس الذين درسوا تأثير الثروة وعدم المساواة على السلوك البشري، على قدرة الثروة على التأثير بشكل قوي على الأفكار والتصرفات بشكل لا شعوري، أيا كانت ظروف المرء الاقتصادية.۱۹ يحذر القرآن الكريم من الأخطار الكامنة في ردِّ الفرد لفضل تكوين ثروته وإنجازاته لنفسه – فهو لا يحذّر فقط من التباهي والغطرسة والغرور، ولكنه يبرز مخاطر الجحود، ووهم العظمة الذاتية وعدم الإيمان التي قد تتأجج في النفس. يقدّم القرآن الكريم مثالا عن هذه المخاطر في سورة الكهف حيث يروي قصة رجل ثري أُعطي حديقتين غناءتين، وغيرها من النعم:
﴿ وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (32) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئًا ۚ وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (33) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (34) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا (36) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (37) لَّٰكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (38) وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ۚ إِن تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالًا وَوَلَدًا (39) فَعَسَىٰ رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (40) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (41)﴾٢۰
يفقد الرجل الثري نفسه في غمرة الثروة والمتعة الزائلة المتمثلة بالحدائق والمال، ما يؤدي إلى ضلاله في نهاية المطاف. وعلى الرغم من عدم قدرة المرء على استبقاء إمكانية تحفيز الثروة والراحة دائمًا لمشاعر الاعتداد بالذات والتمتع بالملذات، إلا أنّ ما يجدر بالإنسان فعله هو الإقرار بوجود قوة أعلى، كريمة وقادرة، تمنح خلقها العطايا التي يتمتعون بها – ﴿ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾. لم يجدر بالحريات الحديثًة التي ظهرت في الستينيات، وتوسّعت أكثر في عصرنا المعاصر – كالتطورات التكنولوجية، وسهولة السفر، والتسوق عبر الإنترنت، والحقائق التي ينتجها الحاسوب – توليد الإعجاب بإنجازات الإنسان وحسب، وإنما الأولى بها توليد الاعتراف بفضل الذي أعطى الإنسان القدرة، والوقت والحياة والعقل لاستكمال مساعيه. ولإثبات مدى جهل الإنسان المنحدر إلى مثل هذا الاعتداد بالذات، يذكّر الله عز وجل القارئ أنه جل ثناؤه هو الرزاق: ﴿ رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ ﴾ أو ﴿ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ ﴾.٢۱ يواجه القرآن الكريم الغرور الذي قد تولده الثقافة اللا دينية القائمة على الاستقلال الذاتي. وتبعد ثقافة القوة والاستقلالية المتحررة الإنسان عن التفكير في وقتيتها – كما بيّنت بيرسي شيليPercy Shelley في قصيدتها أوزيماندياسOzymandias. تثير كلمات الفرعون التي يقولها في القصيدة: “انظروا إلى أعمالي ، أيها العظماء وايأسوا!” السخرية. فها قد رأينا الرمال العارية والفارغة المترامية الأطراف، و”أعماله” الرائعة تندثر إلى غير رجعة.
تناول سانشيز دي توكا Sanchez De Toca هذه المسألة أيضًا حيث علق قائلاً: “يثير الثراء والثقافة العلمانية ضمورا في النفس للحاجة والرغبة بكل ما هو غير فوري. فهما يختزلان التوجه إلى قوة أعلى في الحاجة البسيطة للروحانية، والسعادة في الرفاهية المادية وإشباع الدوافع الجنسية.”٢٣ تنبثق عدم الفورية التي يتحدّث عنها دي توكا من أسلوب حياة تولّده الكفاية الشخصية، حيث يصدّ تسهيل الحصول على وسائل الراحة، مؤقتًا فقط، عن إبراز نقاط الضعف البشرية التي يواجهها الإنسان دائمًا. يوصف الرجل المذكور في القرآن الكريم، والذي أُعطي حديقتين، بأنه ظلم نفسه – ﴿ وهو ظالم لنفسه ﴾ – من جهة، من خلال إغفاله للحقيقة الملموسة، والأكثر وضوحًا. يشرح المفسرون المسلمون أن كثرة الثمار قد ترمز إلى “المال والذهب والفضة،٢٤ فالرجل قال: ﴿ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا ﴾٢٥و﴿ وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً ﴾.٢٦ كان افتتان الرجل بثرائه شديدا لدرجة جعلته يعتقد بأن هذا المشهد الرائع لنمو الثمار وتكاثره سيستمر إلى الأبد. لقد أخطأ في اعتقاده إمكانية نمو بستانيه – اللذين يعدان نتاجا ثانويا لأحداث بيئية لا حصر لها – بشكل مستقل عن قوة أعلى. كان يجب للنمو الطبيعي لأشجار النخيل والأنهار والثمار أن يولّد في نفسه شعورا روحيا من الامتنان والإعجاب بقدرة الله. ومن جهة ثانية، اعتقد الرجل الثري المفتون بجمال جنتيه، والمبدي شعورا بالاستحقاق الذاتي، أنه ﴿ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا﴾. وهنا يخرج صديقه ليذكره بالأسئلة الأساسية والجوهرية والوجودية التي فشل في تدبّرها – ﴿ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا ﴾. تعدّ الأحداث المتسلسلة في عالمه ذات أهمية قصوى للتفكّر. فكما أن ثروات الإنسان ليست نتيجة حدث فوري بدون سبب وهدف وتسلسل، كذا خلق الإنسان هو انعكاس لسبب وغاية. تهدف نصيحة الصديق أيضًا إلى غرس التواضع في نفوس الأثرياء. يُذكّر القرآن الكريم:
﴿ هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا (۱) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) ﴾٢٧
و:
﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) ﴾٢٨
في الوصف القرآني للقصة الواردة في سورة الكهف، نرى الرجل الثري متباهيا بغطرسته، ومنغمسا في رغبته الأنانية لرفع قدر نفسه فوق قدر صاحبه؛ فكان أول ما ادّعاه امتلاكه لأموال أكثر منه – مثبتا بذلك الحاجة المرئية الظاهرة! ثم انتقل بعدها للتفاخر بحاشيته، وشبكة علاقاته الاجتماعية، وقبيلته الأكثر عددا، ومكانته الاجتماعية. لقد شعر الرجل الغني بالأمان في وجاهته، كما أن إنكاره لقيام الساعة يدّل على شعوره بالحظوة في اكتفائه الذاتي، حيث يتنصل من مسؤوليته الأخلاقية من خلال إنكاره لقيام الساعة.
يكشف هذا المثال بأن عدم الإيمان لا يقتصر على إنكار وجود الله، وإنما على إنكار يوم القيامة أيضاً. يفترض هذا الإنكار الإستقلالية والتحرّر من أي قيود أخلاقية توجّه الإنسان نحو السلوكيات والتصرفات المقبولة. ونجد في سلوك الرجل التكبّر والعُجب؛ وتعكس مشاعر الأهمية الذاتية هذه، الطريقة التي اعتبر فيها أن ما حقّقه من إنجازات وثروات، حققه بنفسه، كما لو أنه يقول بأن هذا الجهد الذي بذله يستحق عليه التفلت الأخلاقي، والتحرر من فضل أي أحد آخر، ورقابته عليه. وعلى الرغم من إمكانية اعترافه بوجود قوة أعلى، إلا أنه لا يعترف بسيادتها؛ كما لا يشعر بالحاجة لاحترام القيود الأخلاقية، كإقرار منه باقتراب الحساب.
على الرغم من اعتقاد علماء النفس كرولو ماي Rollo May منذ أمد بعيد، بأن “إيجاد مركز القوة داخلنا هو أفضل مساهمة يمكن أن نقدمها لإخواننا البشر على المدى الطويل”٢۹، إلا أن الفردانية الشرهة في الأمثلة التي أبرزها القرآن الكريم هي للنموذج الذي ينسلخ عن قيم الترابط الاجتماعي، ويميل عن التواضع، وينكر ضعفه، والأهم من ذلك كله لا يقر بوجود قوة أعلى؛ وتتعزز لديه، من جانب آخر مشاعر الغرور، والفردية، والفوقية النرجسية. فضلا عن ذلك، على الرغم من إمكانية عزو أي رابط بين البحبوحة وعدم الإيمان إلى مجموعة من العوامل، ألا أن ما استُنتِج هو أن مشاعر الاكتفاء الذاتي والاستقلالية يمكن أن تحجب قدرة المرء على إدراك العوامل الوجودية المؤقتة، والهويات المكانية، والغاية. لا يستوجب معرفة أن كل ما نعيشه في هذه الحياة سينتهي في يوم من الأيام محاسبة النفس فقط، وإنما تنمية مشاعر تتوافق مع التقدير والتواضع. ويُلاحظ، في بعض الأحيان، استخدام الشخص الثري لثروته كمؤشر على النعمة المؤقتة، التي يمكن لها في المقابل، قولبة المتدين في قالب الأقل ثراءً، المعتمد على عوامل خارجية ميتافيزيائية – على حساب التقدم المادي. عندما يعتمد المتدين على قوة أعلى، يحكم اللا ديني على هذه الممارسة بأنها ناجمة عن غياب في مركز الدعم الداخلي. تتولّد الراحة والحظوة التي يتمتع بها الثري عن المجهود البدني والمادي، ونتائجه. وقد يفترض اللا ديني بإجحاف، زهد المتدين بالمكاسب المادية والتقدّم.
هذا بالطبع غير مؤيد بأي دليل على الإطلاق. يواجه القرآن الكريم نموذج الغطرسة الدنيئة التي تغذّيها مشاعر الاكتفاء الذاتي، بعرض نماذج أخرى لأفراد مُنحوا الثروة والسلطة، فولدت حظوتهم تلك إثراء جماعيا، بدلا من الشهوة الفردية. أدركت هذه النماذج قدرة قوة أعلى، أجبرت عقلهم وضمائرهم على إظهار امتنناهم للراحة، والأمان، والثروة التي تمتعوا بها. أعجب النبي سليمان عليه السلام مرة بالأحداث الخارقة من حوله. وتمثّل إبرازه لسلطته الدنيوية وهيمنته في إدراكه أن هذه المآثر ليست سببا للانغماس في الملذات والتلذذ بها، وإنما لإظهار الشكر للوهّاب الرزاق.
﴿ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ﴾٣۰
تتولد لدى جميع البشر بالتأكيد – ملحدين، وغير متدينين، ومتدينين – مشاعر عند رؤيتهم لأمر جميل أو ملهم. وأظهر البحث الذي قامت به جيسي بريستون فاتح شين Jesse Preston Fatih Shin بأن الملحدين وغير المتدينين تستحوذ عليهم بشدة لحظات من الروعة والجمال بالمظاهر العامة التي تحصل في الطبيعة والبشرية، تماما كالأشخاص المتدينين.٣۱ إلا أن المسألة ليست في لا مبالاة الملحد أو غير المتدين بكل ما هو حسن. يضع القرآن الكريم بين أيدينا أمثلة عن الموانع التي تحول دون الاعتراف بالحقيقة، ويصوّر الثراء كأحد تلك الموانع. لا ينبغي للثراء حلُّ أواصر الترابط الاجتماعي، كما لا يجدر به قطع الاعتماد على الوهّاب الرزاق. وبحسب نيكولاس برنارد Nicolas Bernard، يكشف بحث نفسي أن “الثراء يسمح بالتأمل الوجودي لفترة أطول: لعلنا نحمل مسؤولية أخلاقية أعظم؛ لعلّ للحياة هدف.”٣٢
ولا بدّ لنا أن نعلم بأن الثراء لا يؤدي بالضرورة إلى الغطرسة وعدم الإيمان. إذ أن الثراء لم يمنع جميع الأثرياء من الاعتراف بوجود الله وعبادته، بسبب السهولة والراحة التي وفّرها لهم الثراء. وبالتوازي، يصعب تأكيد وجود علاقة حتمية بين الثراء والإلحاد سواء على صعيد الثرورة الفردية أو الثروة الكلية. وتسجّل بعض أغنى الشعوب وأفقرها معدلات متدنية من الإلحاد؛ إلا أنه ثمة حالات، وأماكن، وأزمنة تظهر فيها هذه العلاقة. يقدّم القرآن الكريم أمثلة لأثرياء مؤمنين وغير مؤمنين، ويؤكد بأن الطريقة التي يفهم فيها الإنسان نفسه، وعالمه، وثروته هي المحدّد الأهم. وكما أشرنا آنفا، يحذّر القرآن الكريم من الأنماط السلوكية كالتفاخر والأنانية التي قد تولّد في النفس الجحود، والغرور، وعدم الإيمان.
﴿ وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (36) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (37)﴾٣٣
لقد بينّا في هذه المقالة قيام القرآن الكريم بعزو ذنوب الإنسان إلى مرض النفس. وتعكس الأمثلة الواردة جهلا متعمدا، مقرونا برفض الله عز وجلّ، وناتجا عن مشاعر التكبر والاستقلالية. ويشرح القرآن الكريم في آية فيها الكثير من العبر:
﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ (٦) أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ (٧) ﴾٣٤
في تحدي للاستقلالية الذاتية الزائفة، يذكّر القرآن الكريم قرّاءه بأن تبني الناس لمعتقدات وسلوكات معينة هو نتاج لما لم يُصحح في دواخلهم. وكما رأينا، فإن لمشاعر الفوقية، والغطرسة الأنانية تأثير مدمّر على العقل والأفعال. ويذكرنا القرآن الكريم بتجسُّد مأساة البشر في التخلي عن التحقق من هذه الحالة الداخلية، ومعالجتها؛ إذ يصفها القرآن الكريم بأنها أهم جزء في النفس البشرية.
يشدّد القرآن الكريم على وجوب تطهير النفس، ويحيل ذلك، في نقطة معينة، إلى العلاقة الفورية بالغطرسة الجامحة التي أظهرها قوم ثمود (القرن الثامن قبل الميلاد). تلفت الآيات الأولى عناية القارئ إلى الحالة البشرية:
﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (۹) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا (۱۰) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (۱۱)﴾٣٥
تعرض الآيات الأولى حالة الإنسان كشخص مقّيد بالميول الإيجابية والسلبية على حد سواء، وأن نتائج تجاهل وجوب البحث عن تلك الميول الفاضلة، والتباهي بدلا منها باللا مبالاة قد يؤدي إلى “القسوة المتغطرسة” التي أكدت عليها الآية اللاحقة. إن هذا الترتيب الهيكلي للآيات عميق في مغزاه. يذكرنا الله جل جلاله بأن ثمود اندثرت مع مرور الوقت، مثلها مثل غيرها من الأقوام. فكل هذا الترف والعظمة انتهيا فجأة، وهذا ما سيؤول إليه مصير جميع البشر. لذلك، يعتبر عُجب المرء بنفسه تحت ذريعة الاكتفاء الذاتي ضربا من ضرورب الغفلة. ويدعونا القرآن الكريم إلى تأمل عظمة الله جل وعلا من خلال الإقرار بضعفنا وأصلنا الوضيع، وخضوعنا الكامل، وحتمية الموت:
﴿۞ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (۱٥)﴾٣٦
كما يذكرنا القرآن الكريم بإمكانية قدرتنا على التغلب على قصر نظرنا الذي نظلم فيه أنفسنا، إذا ما استوعبنا حقيقة أنفسنا والحالة البشرية؛ حيث أن الاعتراف بوجود الله تعالى، وشكر فضله يولّد الرحمة الإلهية، والرشاد، ويزرع فينا الرهبة من جلاله سبحانه، ويحثنا على الانخراط بشكل فعال في العالم من حولنا، بغية التوصل لفهم جديد للعلامات، والمعجزات التي تدلنا على وجوده جل ثناؤه.

المراجع
۱ سبأ: ٣٤-٣٥
٢ الأعراف: ۹٨
٣ Connor Wood, ‘Does Atheism Arise From Wealth’ – https://www.patheos.com/blogs/scienceonreligion/2014/01/does-atheism-arise-from-wealth/.
٤ Hugh McLeod, Religion and the People of Western Europe 1789-1989 (Oxford: Oxford University Press, 1997). p. 93.
٥ Connor Wood, ‘Does Atheism Arise From Wealth’ – https://www.patheos.com/blogs/scienceonreligion/2014/01/does-atheism-arise-from-wealth/.
٦ M. Csikszentmihalyi, “If we are so rich, why aren’t we happy?,” American Psychologist. 1999; no. 54 (1999): 821–827. (p. 823).
٧ Nigel Barber, N. ‘A cross-national test of the uncertainty hypothesis of religious belief’ Cross-Cultural Research, no. 45: 318-333.
٨ Nigel Barber, Why Atheism Replaces Religion In Developed Countries – https://www.huffpost.com/entry/why-atheism-to-replace-re_b_903653.
۹ Callum G. Brown, The Death of Christian Britain: Understanding Secularization 1800-2000(London and New York: Routledge, 2001. Callum G. Brown, Religion and Society in Twentieth-Century Britain(Harlow: Pearson Education Ltd, 2006). Callum G. Brown, “Women and Religion in Britain: the Autobiographical View of the Fifties and Sixties” in Secularisation in the Christian World, edited by Callum G. Brown and Michael Snape, (Farnham and Burlington, VT: Ashgate, 2010) 159-174. Callum G. Brown, “Sex, Religion and the Single Woman c1950-1975: The Importance of a ‘Short’ Sexual Revolution to the English Religious Crisis of the Sixties.”Twentieth Century British History no. 22 (2):189-215.
۱۰ Hugh McLeod, Religion and the People of Western Europe 1789-1989 (Oxford, Oxford University Press: 1997) 142.
۱۱ Ibid, 147.
۱٢ Samuel Bagg and David Voas, 2010. “The Triumph of Indifference: Irreligion in British Society” in Atheism and Secularity Vol. 2: Global Expressions, edited by Phil Zuckerman (Santa Barbara, CA: Praeger, 2010) 91-111; Janet Eccles, 2017. THE NEW (ATHEIST) WOMAN: A LEGACY OF THE 1960S CULTURAL REVOLUTION?. Society Register, 1 (1), 52.
۱٣ Hugh McLeod, The Religious Crisis of the 1960s (Oxford and New York: Oxford University Press, 2007).
۱٤ St. C. Drake and H. Cayton, Black Metropolis, rev. ed., (New York, 1970) 653.
۱٥ Hugh McLeod, ‘The Religious Crisis of the 1960’, Journal of Modern European History Vol. 3, No. 2, Christian Churches and Religion in the 20th Century (2005): 205-230 (p.205)
۱٦ لمعرفة آثار التعددية على تراجع التدين في المملكة المتحدة، انظر: Linda Woodhead, ‘The rise of ‘no religion’ in Britain: The emergence of a new cultural majority’, Journal of the British Academy, 4, 245–61.
17 انظر: Hugh McLeod, ‘The Religious Crisis of the 1960’, Journal of Modern European History Vol. 3, No. 2, Christian Churches and Religion in the 20th Century (2005): 205-230.
۱٨ L. Laeyendecker, “The case of the Netherlands” in The Post-War Generation and Established Religion, ed. W. Clark Roof, et al. (Boulder/Col. 1998), 131–149; Hugh McLeod, ‘The Religious Crisis of the 1960’, Journal of Modern European History Vol. 3, No. 2, Christian Churches and Religion in the 20th Century (2005): 215.
۱۹ Caroline Gregoire. “How Money Changes the way you Think and Feel” (February 8 2018) Last seen 25 May 2020 – https://greatergood.berkeley.edu/article/item/how_money_changes_the_way_you_think_and_feel.
٢۰ الكهف: ٣٢-٤۱
٢۱ القصص: ٧٦
٢٢ Percy Bysshe Shelley, Ozymandias – https://www.poetryfoundation.org/poems/46565/ozymandias.
٢٣ Melchor Sánchez de Toca, “Looking for God: Religious Indifference in Perspective” in Passing on the Faith: Transforming Traditions for the Next Generation of Jews, Christians, and Muslims, ed. James L. Heft (Fordham University Press, 2007): 29.
٢٤ https://quran.ksu.edu.sa/tafseer/tabary/sura18-aya34.html#tabary.
٢٥ https://quran.ksu.edu.sa/tafseer/tabary/sura18-aya35.html.
٢٦ https://quran.ksu.edu.sa/tafseer/tabary/sura18-aya35.html.
٢٧ الإنسان: ۱-٢.
٢٨ الانفطار: ٦-٧.
٢۹ Rollo May, Man’s Search for Himself (New York, W.W Norton and Company: 1953), 54.
٣۰ النمل: ٤۰
٣۱Jesse Preston and Faith Shin, “Spiritual experiences evoke awe through the small self in both religious and non-religious individuals’, Journal of Experimental Social Psychology 70 (2017). 212-221.
٣٢ ورد في: Bret Stetka, (May 1, 2015) Did Affluence Spur the Rise of Modern Religions? https://www.scientificamerican.com/article/did-affluence-spur-the-rise-of-modern-religions/.
٣٣ الروم: ٣٦-٣٧
٣٤ العلق: ٦-٧
٣٥ الشمس: ٧-۱۱
٣٦ فاطر: ۱٥

د. عثمان لطيف

د. عثمان لطيف

د. عثمان لطيف هو باحث كبير ومدرس في معهد سابينس. حاز على درجة البكالوريوس في التاريخ ودرجة الماجستير في دراسات الحروب الصليبية، وأكمل درجة الدكتوراه في '"مكانة فضائل القدس والشعر الديني في الجهود الإسلامية لاستعادة القدس في الحروب الصليبية"'. قدم العديد من المقالات في المملكة المتحدة وعلى الصعيد الدولي في مؤسسات أكاديمية معروفة. نُشر كتابه حول الحروب الصليبية، "حافة سيف الشاعر: الردود الشعرية الإسلامية على الحروب الصليبية" من قبل بريل للنشر في عام ٢٠١٨. كما كتب وما زال يكتب مقالات أكاديمية وفصول كتب في مجال التاريخ.