استعادة قوس قزح: موقف الإسلام من الأيديولوجية الباطلة لمجتمع الميم وافتراضاتها غير الأخلاقيّة

بواسطة | مايو 10, 2024 | متفرقات

1. المقدمة والإهداف الرئيسية

تقف الحضارة الإنسانية في الزمن الحاضر عند مفترق طرق خطير. ففي العقود الأخيرة الماضية، عمدت المجتمعات حول العالم، ولا سيما في الغرب، إلى تفكيك عدد من مؤسسات التقاليد بوتيرة سريعة بعد تجذرها فيها لآلاف السنين. وتتضمن التغييرات الجذرية التي نتحدّث عنها تلك المتعلّقة بالأدوار الجندرية، والهرميّة الاجتماعية، والهياكل الأسرية، وغيرها من الوحدات الأهليّة والجماعية. ولقد تجرّد النظام الاجتماعي العالمي من أيّ نموذج ذي معنى، أو مغزى ضمني يسهل بموجبه الوصول إلى المنظومة الأخلاقية المرتبطة بالله. وتعدّ حركة مجتمع الميم، التي اكتسبت شهرة واسعة في العقدين الأخيرين، العامل الرئيس المؤدي إلى هدم هذه التقاليد. وتبقى الرؤية الإسلامية للعالم، على الرغم من شيطنتها بجهالة، واضحةً جليّة في أهدافها، وواثقة من جدواها، ومنيعة في وجه التدمير.

يكمن الهدف من هذا البحث في تسليط الضوء على الافتراضات الفلسفية الرئيسة التي قامت عليها أيديولوجية مجتمع الميم. وتتمثّل الملاحظة التحليلية الأساسية في هذا العمل في إيضاح عدم كون أيديولوجيته رؤية عامّة ومطلقة حيث إنها تضمّ استنتاجات نظرية بنيوية يمكن الطعن بها منطقيا. ولا يقع على الناس أيّ واجب معرفيّ أو أخلاقي لتبني هذه الفرضيّات غير المتناسقة. وتعاني هذه الافتراضات من غياب الدّقة المنطقية، كما أنّها مشوبة بأخطاء مبدئية في نمط التفكير. وعلى العكس، يقدّم النموذج الإسلامي فهما متناغما وشاملا للعالم يقوم على أسس منطقية سليمة.

ترفض منظومة الأخلاقيات الإسلامية النظامَ العالمي المعكوس الذي أسّسته القوى الليبرالية في حقبة ما بعد الحداثة، إلّا أنّها تشدّد على أهميّة نشر الحقيقة بأسلوب هادئ ورزين. وتبقى محاولات افتعال الفوضى، والمعاقبة خارج إطار القانون، والتمييز العنصري المتخفي برداء التقوى مرفوضة بالمطلق. يقول الله تعالى في كتابه العزيز:

﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: 8]

واستخدم لفظا البرّ والقسط بصيغتهما الفعلية “تبروا” و”تقسطوا” في هذه الآية للإشارة إلى العلاقة مع الكافرين. ويشتق لفظ البرّ من الفعل الثلاثي برّ. ويحمل هذا الفعل معاني ودلالات متعددة بحسب السياق الذي يرد فيه، نذكر منها: السلامة من الدنس والنجاسة، والسلامة من الذنب، والتقوى، وطاعة الله عز وجل، والوفاء بالوعود، بالإضافة إلى حسن الخلق على الصعيدين الشخصي والاجتماعي.[1] والمعنى المراد في الآية التي بين أيدينا هو الإحسان إلى الكفّار ما لم يظهروا العداوة والبغض للإسلام وأهله.[2] وفي حال إظهار الكفّار العداء أو البغض، يعطى التقدير الرشيد للأمور الأولوية أمام الإحسان – فالحفاظ على المجتمع أولوية أخلاقية قد تتطلب اتخاذ تدابير لا يجد التسامح مكانا له فيها. ومن المثير للاهتمام استخدام عيسى عليه السلام للفظ “برّ” بمعنى الطاعة والرفق في حديثه عن كيفية معاملته لوالدته:

﴿ وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم: 32]

كما نلحظ استخدام لفظ “برّ” بصيغته الاسمية في أسلوب مشابه لا يخلو من بعض الاختلاف في الآية الآتية لتحديد أعمال البرّ والتقوى:

﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 44]

تسمح لنا هذه الآيات استخلاص درس أخلاقي أساسيّ: وجوب إعطاء جميع البشر – بغضّ النظر عن ديانتهم أو معتقداتهم – الحدّ الأدنى من الاحترام والكرامة حتى عند انتقادهم أو الطعن بمعتقداتهم من خلال عدسة الإسلام. وعليه، لا بدّ من خلوّ النقد من أي تشويه أو إساءة فهم بسوء نيّة. وينبغي لكل مسلم التطلّع إلى تجسيد هذه القيم في مناقشاته مع الآخر، وإلى أن يكون نبراس حكمة تعكس رحمة الخالق سبحانه وتعالى، وخاتم أنبيائه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. ويمكن للورع، واللطف، والعطف إرشاد القلوب الضائعة والغافلة، الأمر الذي يسهل عبادتهم لله تبارك وتعالى وخضوعهم لأوامره برضى. ولا يمكن تحقيق هذا الهدف النبيل من خلال التعامل بعدوانيّة مع الآخر. فالتمسّك بالتقى عند التعامل مع المسلمين وغير المسلمين سيجعل المسلم سفيرا لدين الحقّ، وداعيا لمؤيدي أيديولوجية مجتمع الميم إلى توحيد الله سبحانه وتعالى وإلى اتباع رسالته.

  1. النظريات والافتراضات الرئيسة لأيديولوجية مجتمع الميم

 تقوم مزاعم صدق أي فلسفة أو نموذج على مجموعة من الافتراضات أو الفرضيات المسبقة التي يمكن أن تكون صحيحة أو خاطئة. ولنأخذ العلمانيّة كمثال: لقد افتُرض على نطاق واسع ضرورة فصل الكنيسة عن الدولة وعدم اعتبارهما كيانين متشابكين. ويقوم هذا الاعتقاد على افتراض عدم قدرة الله، أو الدين بشكل عام، على إدارة الشؤون السياسية والاجتماعية للبشرية بشكل فعّال. ويتلبد هذا الرأي بانحيازاته المعرفية والتاريخية الخاصة – التي انبثق كثير منها بشكل خاص من المظالم التي ارتكبتها الكنيسة الكاثوليكية، ومواجهة التنوير لها – والتي لا يمكن إسقاطها على دين الإسلام الغنيّ من خلال وضع الديانتين في كفّة واحدة.

ثانيا، تفترض العلمانية كون الدين والسياسة نطاقين منفصلين غير قابلين للتوفيق بأي شكل من الأشكال. ويشير ذلك نظريا إلى وجوب امتلاك كل مؤسسة من هاتين المؤسستين لمجالات اختصاصها المستقلّة والتي تترجم على أرض الواقع بعدم وجودهما كطرفين متساويين أو متعاونين. وفي الواقع، لقد عمدت العلمانية بتسلط وغطرسة إلى إلغاء القدرات التنظيمية للدين بالكامل، واحتكرت عملية اتخاذ القرارات السياسية بشكل حصري. وبناءً عليه، شُيطِن الدين كقوة رجعية لا يجب أن يتجاوز نطاق تأثيره الحياة الخاصة لأفراده. وبالنتيجة، أُسند الحكم على الصعيد العام إلى قوى تعمل بموجب الأدوات الدنيوية.

وتعدّ حقيقة تبني أسس المسيحية لهذه الأفكار البائسة مأساوية، حيث أدّت إلى انقسام المجتمع على المدى الطويل. وبحسب كثير من المفسّرين، فإن الآية الواردة في الكتاب المقدس التي تدعم هذه الرؤية هي: “أَعْطُوا إِذًا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا للهِ للهِ.”[3] لقد كانت هذه العبارة العامل الموطِّد للعلمنة، لأنها تفترض عجز الله عن إرشاد البشر في شؤونهم الدنيوية. ويفشل هذا التصريح في إدراك إحاطة علم الله بكل شيء، ويجعل قدرته محدودة وعرضية، وهي فكرة مخالفة لأسس الدين الإسلامي.

وبالتوازي، تعتمد أيديولوجية مجتمع الميم على مجموعة من الفرضيات الفلسفية المسبقة. واستندت إلى مجموعة من الحجج لدعم رؤيتها الجنسية المتحررة وغير المقيدة التي تشدّد على كون المثلية الجنسية والسيولة الجندرية حقّان أساسيّان من حقوق الإنسان، وليسا أسلوبا حياة غير أخلاقيين. ونذكر فيما يلي الافتراضات الفلسفية الأساسية التي تُبنى عليها حجج مجتمع الميم:

  • الجسد ملك للإنسان، الأمر الذي يسمح لأصاحبه بفعل ما يشاؤون به؛
  • المثلية الجنسية والسيولة الجندرية أسلوبا حياة وخياران شخصيان. ويملك كل شخص الحق الأساسي بتبنيهما إذا رغب بذلك؛
  • عدم وجود أي موانع أخلاقية منطقية للمثلية الجنسية والسيولة الجندرية؛
  • الجنس والرغبات الجنسية عاملان محددان للهوية، لذا يجب احترامهما؛ و
  • الجندرية والجنس تكوينان اجتماعيان لا يملكان جوهرا ثابتا أو فطريا.

تضم هذه الافتراضات الخمسة بصورة عامة الأركان المعرفيّة، والأخلاقية، والفلسفية لأيديولوجية مجتمع الميم. وسيبرهن هذا البحث إمكانية الطعن بها، والتشكيك بها ودحضها. وبناء عليه، لا يترتّب على المسلم أو أي شخص آخر الشعور بوجود واجب أخلاقي يفرض عليه قبول أيديولوجية مجتمع الميم.

وتجدر الإشارة، قبل تسليط الضوء على آليات هذه الافتراضات، إلى عدم تبني مؤيدي مجتمع الميم لجميع هذه الافتراضات وتأييدها كحزمة واحدة. ومن الشائع أن نجد إيلاء معسكر أو قطاع أو جماعة بعينها داخل الحركة اهتماما بنمط فكريّ معيّن دونا عن غيره. وفي بعض الأحيان، قد يردّ قطاع من الحركة الأساس الفلسفي لحجة معيّنة لصالح غيرها من الأنماط الفكرية. وينشأ هذا الاختلاف من حقيقة تشييد المعسكرات المختلفة لحركة مجتمع الميم لمواقفها على أسس فلسفية متعدّدة. يعي البحث الذي بين أيديكم هذه الحقيقة، ولقد بذل جهودا حثيثة لجمع أشهر الافتراضات التي قدمتها تلك المعسكرات في العقود القليلة الماضية. ويمكن من خلال تبني هذه المقاربة إخضاع الأنماط الفكرية الفلسفية الرئيسة التي تعتمدها أيديولوجية مجتمع الميم إلى التمحيص الدقيق.

2.1 افتراض ملكية الجسد والاستقلالية الجسدية

يقوم الافتراض الأول، بصورة عامة، على مبدأ عدم وجود خالق – وهي نظرية يؤيدها الملحدون والفلاسفة الطبيعيون – أو عدم ترتُب وجوده على أي واجبات أو مسؤوليات أخلاقية، مع تأييد العلمانيين المؤمنين بوجود إله لهذا المبدأ. يؤمن المعسكر الأول بأن جسد الإنسان غير محدّد أو موجّه بهدف إلهي، فالبشر ليسوا أكثر من نتاج سلسلة من الحوادث الفلكية، والبيولوجية، والجيولوجية التي شكلّت تركيبتهم الجسدية. وبما أنّ البشر لم يخلقوا لأي غاية محدّدة، فهم يتمتعون بالقدرة على تحديد هويتهم، وعلى استخدام أجسادهم كيفما شاؤوا، طالما أنهم لم يسببوا ضررا ولم يعتدوا على حقوق الآخر. ويستخدم النشطاء المؤيدون للإجهاض هذا النمط من التفكير في أحيان كثيرة بينما يرددون بتفانٍ شعار: “جسدي، خياري.”

ونلفت عناية القارئ إلى أن مؤيدي هذه الحجة ليسوا جميعا ملحدين في رؤيتهم. وفي الواقع، ينتمي بعضهم – ولو اسميًا – إلى عدد من الديانات، حيث إنهم لا يوقنون بوجود الله وحسب، وإنّما يقرون كذلك بسلطته على الكون بأسره. غير أنّ ترداد هؤلاء للافتراض أعلاه يدّعي سماح الله لعباده بفعل ما يشاؤون بأجسادهم. تقوم هذه المقاربة على نظرية أخلاقية قياسية علمانية، لا تمت بالمعرفة الأخلاقية المتجذرة في الدين بأي صلة.

يستند هذا الافتراض في جوهره على نمط تفكير علماني وإنساني ومادي يعمل بموجب أحد المفهومين الآتيين: 1) لم يخلق الله البشر، وعليه لا يتوجب عليهم الانصياع لأي أوامر وواجبات إلهية؛ أو 2) خلق الله البشر، غير أنّ وجوده لا يترتب عنه أي واجبات أخلاقية تجاهه لغياب الدليل عن كونهم مدينون له بأي شيء بالمعنى القياسي. وعلى أي حال، يؤدي كلا التوجهان إلى النتيجة نفسها: تمتع البشر بحق التصرف بحرية في هذا العالم على مستوى الهوية والجسد، وعدم وجود أي قيود إلهية مفروضة عليهم.

تتمثل الآلية المحورية التي تحرّك هذين التوجهين في كون الإنسان المالك الأوحد لجسده، الأمر الذي يسمح له بفعل ما يشاء به؛ ويشمل ذلك العلاقات الجنسية المثلية وتغيير الهوية الجندرية وفق التقدير الخاص، والخضوع لما يعرف بجراحات تأكيد الجنس أو إعادة تعيين الجنس. وبفضل طبيعته ككائن أخلاقي مستقل، يتمتع الإنسان بمساحة من الاستقلالية التي تسمح له بفعل ما يشاء ما لم يؤدّ ذلك إلى التعرض لحرية الآخر. وتعود جذور هذا الرأي إلى المفكّر الإنكليزي المشهور جون ستيوارت مل John Stuart Mill الذي أسس مقياس سلوك فلسفي عُرف باسم مبدأ الضرر حيث يمكن من خلاله الحفاظ على النظام العام، وحماية المجتمع من بطش الأغلبية. ويستفيض مل في شرح مقتضيات هذا المبدأ الفلسفي قائلا: “الغرض الوحيد الذي يمكن من أجله ممارسة السلطة بشكل صحيح على أي فرد من أفراد المجتمع المتحضر رغما عنه هو منع إلحاق الأذى بالآخر… أما في الجزئية المتعلقة بذاته، فاستقلاليته حقّ مطلق. فالفرد سيد نفسه وجسده وعقله.”[4]

2.2 افتراض الحقوق الفردية                                                                                                     

يستند الافتراض الثاني على فكرة الحقوق الفردية التي تقرّها تشريعات المنظومات القضائية العلمانية في العالم. يعمل العالم الغربي بموجب المبادئ الليبرالية ومسلّماتها التي تعطي الأولوية للفرد، وترفع منزلته، وتمنحه مجموعة واسعة من الامتيازات التي تحقق السعادة والتي تعرف بالحقوق السلبية. وعلى عكس الحقوق الإيجابية التي تفرض في أغلب الأحيان على الفرد القيام بممارسات في سبيل تطوير نفسه اجتماعيا وأخلاقيا، ولمس غاية أسمى في الحياة قائمة على الدين أو القيم التقليدية، تمنح الحقوق السلبية الأفراد نطاقا من الحرية التي تحررهم من هذه القيود.[5] أعطى الغرب تاريخيا الغلبة للحقوق السلبية، حيث يراها مجدية في ضمان تحقيق أهداف البشر الفردية، وإن كانت مبتذلة، أو تولّد أهداف قائمة على تعزيز السعادة. وكنتيجة لهذا الموروث التاريخي، لا يصعب علينا استنتاج تشديد الكتابات القانونية والفلسفية المعيارية على ضرورة حماية الفرد من أي تدخل خارجي، سواء كان الدولة أو المؤسسات الأخرى، مثل الكنيسة والأسرة. وعلى ضوء هذه المبادئ القانونية الراسخة، تمنح دساتير هذه الحكومات مواطنيها مجموعة واسعة من الحقوق الفردية المتكاملة لتحصينهم من أي انتهاك محتمل من قبل أي عناصر خارجية.

وحيث إنّ العلاقات الجنسية المثلية والسيولة الجندرية معترف بهما في دساتير الدول الغربية على شكل حقوق فردية مضمونة، فلقد أصبحا أمرين اعتياديين ومألوفا وورثا قيمتهما الأخلاقية وطابعهما المباح. ولنكن أكثر تحديدا، تمنح الحقوق الفردية الفرد الحق في الحبّ، والحقّ في التعبير عنه وإن كان لشخص من نفس الجنس. كما تعدّ الفلسفة الليبرالية محورية في السماح للفرد بتشكيل هويته وجندره، وإن تطلّب ذلك مخالفة جميع الواسمات البيولوجية والثقافية. وتعطى الحقوق الفردية الأولوية على المصالح الجماعية واعتبارات السلامة الاجتماعية، بحيث يُمنح الفرد الصلاحية في التعريف عن نفسه بالشكل الذي يحلو له، وممارسة الجنس من دون قيود. لذا لا نستغرب تشديد عدد من المفكّرين والفلاسفة الغربيين على فكرة توفير مساحة من الحرية من خلال الحقوق الفردية. ولعلّ التقدير الكامن الذي يغذّي الحجة الأخيرة هو أنّ الإنسان الكائن الوحيد الذي يملك العقل؛ الأمر الذي يرفع قدره إلى مرتبة العنصر الأخلاقي الذي يحق له التصرّف بجسده كيفما شاء. يعطي هذا الافتراض الفوقية للفرد – ولا يمكن ولا يجب تقييد الرغبات الخاصة للفرد ومصالحه من خلال أي قوى خارجية، كالعوامل الاجتماعية والثقافية.  

2.3 افتراض عدم وجود ضرر في الممارسات الجنسية المثلية

يدّعي الافتراض الثالث الذي تتبناه أيديولوجية مجتمع الميم عدم القدرة على استخراج أيّ مظاهر أخلاقية ضارة من الزواج المثلي أو السيولة الجندرية. ويروّج الفيلسوف المعاصر كريس مايرز Chris Meyers في كتابه الحائز على استحسان واسع النطاق The Moral Defense of Homosexuality: Why Every Argument Against Gay Rights Fails (الدفاع الأخلاقي عن المثلية الجنسية: لماذا تسقط كل حجة ضد حقوق الشواذ) لحجة سلبية بغية إبطال جميع الاعتراضات الأخلاقية على المثلية الجنسية، وصفها بـ”الحجة البسيطة”. يؤكد مايرز بحزم خلو ممارسة العلاقات الجنسية المثلية من أيّ مظاهر خاطئة، كإيذاء الآخر، أو التعدّي على استقلالية الآخر، أو الدعوة إلى عدم المساواة في المعاملة، أو الممارسات الجائرة. ولأن المثلية الجنسية بحدّ ذاتها خالية من أي مظاهر ضارة، فيجب اعتبارها بالتالي مباحة أخلاقيا. وتتجسد النتيجة المنطقية لهذه الحجة في أنه “إذا لم يكن ثمة خطأ أخلاقي في المثلية الجنسية، فلا يوجد إذًا أساس منطقي لحرمان مثليي الجنس والأزواج المثليين من الحقوق والامتيازات التي يتمتع بها الأفراد من جنسين مغايرين أو الأزواج من جنسين مغايرين.”[6]

وبدلا من الاكتفاء بالحجج السلبية، يستدلّ علماء آخرون بالحجج الفلسفية الإيجابية لإثبات الطابع المحبَّذ أخلاقيا للممارسات المثلية. ويتحقّق هذا الهدف من خلال النظريات الأخلاقية العواقبيّة، كالفلسفة النفعية الخاصة بزيادة المتعة إلى الحدّ الأقصى، ونسختها الفردية المسمّاة بالأنانية الأخلاقية والتي لن يأتي البحث على شرحها بداعي الاختصار. وظهر المذهب الأخلاقي النفعيّ بداية على يد كل من جون ستيوارت مل وجيريمي بينثام Jeremy Bentham اللذين كانا منظّران سياسيان ومن أكبر فلاسفة القرن التاسع عشر. كان هذان المفكّران يريان إمكانية تزويد النفعيّة واضعي السياسات بحساب تفاضل أخلاقي يمكن استخدامه لإدارة الشؤون السياسية وإجراء تحليلات الكلفة-الفائدة بفعالية. يرتبط هذا المعيار الذي نتناوله هنا حساب التفاضل المرتبط بالسعادة، والذي يعمل وفق مبادئ المذهب المتعيّ. تكمن الغاية من هذا الحساب في ضمان زيادة مستويات السعادة في المجتمع على المستوى الجمعي. يشرح بينثام المظهر المحوري لهذا المبدأ قائلا: “السعادة القصوى لأكبر عدد من الناس هي التي يقاس بموجبها الخطأ من الصواب.”[7] ويمكن إصدار الحكم على فعلٍ معيّن بكونه مقبولا أخلاقيا أم لا من خلال التقييمات الصافية التي يُتنبأ فيها عن الآثار العامة لسياسة مرتقبة. ومن خلال هذه التوقعات، يمكن تحديد ما إذا كان تمرير تشريع أو قانون مقبولا كسياسة. يؤكد العلماء المنتسبون إلى المدرسة النفعية أنّ العلاقات الجنسية المتحررة التي يروّج لها تحت أيديولوجية مجتمع الميم ذات فائدة طالما أدّت إلى زيادة سعادة البشر والتقليل من آلامهم وضيقهم في هذا العالم. وبحسب المؤيدين للنظرية العواقبيّة، فإن أي فعل لا يعدّ سيئا إلا إذا أفضى إلى تقليل السعادة وزيادة الألم. وحيث إنّ هذه العوامل غير موجودة في العلاقات المثلية، فيجب إذا إباحة هذه الممارسات الحاصلة بالتراضي.

ونجد من ضمن المؤيدين لأيديولوجية مجتمع الميم معسكرا صغيرا يستخدم النظريات الأخلاقية غير العواقبيّة كعلم الأخلاق أو أخلاق الواجب على سبيل المثال. يرجع أصل هذه التسمية إلى المصطلح اليوناني المركّب من كلمتين: deon التي تعني الواجب والالتزام، وology التي تعني العلم. ويفيد هذا المصطلح دراسة الواجبات والالتزامات الأخلاقية لدى البشر. وفي تعارض صارخٍ مع النفعيّة، ترفض أخلاق الواجب فكرة استناد القيمة الأخلاقية لفعلٍ معين على نتائجه؛ وترى على العكس خضوع جميع البشر لواجب إتمام مسؤولياتهم وواجباتهم ولو أدّى ذلك إلى خسارة العاقبة المُثلى. ويعدّ الفيلسوف الشهير إيمانويل كانط من حقبة التنوير أبرز منظّر ومؤيد لأخلاق الواجب. وبحسب المؤيدين لمدرسة أخلاق الواجب، يمكن تبيان خير فعلٍ معين على أساس مدى انسجامه مع الأعراف والمبادئ والواجبات التي تحدّد عادة بالقيم والمعايير الموجودة في الغرب.[8] ومع مرور الزمن، تطورت آليات عمل هذه النظرية الأخلاقية، الأمر الذي أدّى في نهاية المطاف إلى ظهور عدد من النظريات المتفرّعة عنها: 1) نظريات أخلاق الواجب المرتكزة على الفاعل الأخلاقي؛ و2) نظريات أخلاق الواجب المرتكزة على المتلقي؛ و3) نظريات أخلاق الواجب التعاقدية. ونلمس تأثير أخلاقيات الواجب في الحركة المناهضة للعبودية وإلغاء الرقّ التي ظهرت في الغرب في القرن التاسع عشر. كان التجار الغربيون يرون العبودية، من عدسة عواقبية محضة، تجارة مربحة توفّر الكثير من الأرباح الاقتصادية لعدد كبير من القطاعات. ومما لا شكّ فيه، منحت بعض قطاعات النفعية – مثل النفعية الخاصة بالحكم – غطاءً أيديولوجيا لهذه الممارسة الرجعية يقوم على مبدأ تحقيقها السعادة القصوى لهذه الحكومات بفضل الأرباح الاقتصادية التي توفرها للشعب. غير أنّ عددا كبيرا من أعضاء حركة إلغاء الرقّ يرى العبودية ممارسة غير أخلاقية متوارثة الأمر الذي يسوّغ حظرها بالمطلق. وعلى الرغم من إصدار قوانين متباينة بخصوص هذه المسألة، تجدر الإشارة إلى أن أخلاق الواجب هي نظرية أخلاقية متمركزة على الإنسان ترى فوقية المصالح الإنسانية. ولتوضيح الأمر بصورة أفضل، يعمل نمط تفكير أخلاق الواجب بحسب رؤية كانط وفقا للضرورة الحتميّة: ويؤكد إمكانية عدّ فعلٍ معين مسموحا به أخلاقيا طالما توافق مع الطابع العام، ولم يعامل البشر كوسيلة لتحقيق غاية معينة. كان كانط يرى المثلية الجنسية انتهاكا للطبيعة البشرية، إلا أنّ كثيرا من علماء أخلاق الواجب الحديثين أدخلوا تعديلات على نظريته، وأصدروا أحكاما أقلّ رفضا لها.[9]

2.4 افتراض تشكيل الهوية

يتمثل الافتراض الرابع الذي يستخدمه واضعو نظريات أيديولجية مجتمع الميم في تشكيل الرغبات الجنسية للفرد لهويته ورؤيته لنفسه كإنسان. فمن دون اكتشاف عوالم الجنس والجندر بحريّة، يُحرم المرء من عنصر محوري من عناصر الأصالة في حياته. تشرح كلٌ من إيلين دي بي ريغل Ellen D. B. Riggle وشارون إس روستوسكي Sharon S. Rostosky هذه الحجة في الفقرة الآتية من كتابهما A Positive View of LGBTQ (نظرة إيجابية لمجتمع الميم): “تعد المطالبة بالاعتراف بهوياتنا عملا من شأنه المساهمة في تمكين الذات، وتعزيز شعورنا الصحيّ… فعيش حياتنا بأصالة، وإن ترتب عنه بعض المخاطر، يسهل النموّ على الصعيد الشخصي. فحبّ أنفسنا وتقديرها لما هي عليه يحرّر طاقتنا ويفتح المجال أمام تحقيق الأهداف وممارسة الأنشطة التي تهمنّا.”[10] وبناءً عليه، يعدّ منع هذه الرغبات على الصعيد العام – كالتعريف عن النفس كمثلي أو متحول جنسيا – قمعا للمظاهر الأصيلة للذات التي قد تؤدي على المدى الطويل إلى حصول أذى نفسي لأفراد من المجتمع. ولذلك، ينبغي توفير مستوى الاستقلالية الضرورية لتحديد جميع البشر لهويتهم الأصيلة واكتشاف جنسهم. ومن دون هذه الحرية، سيجد الإنسان نفسه خاضعا لقوى ذات بيئة ثقافية استبدادية، تغذّي التوافق والتجانس الاجتماعي. ولقد أشار جون ستيوارت مل إلى المخاطر الكامنة في النموذج السياسي-الاجتماعي السابق الذكر حيث قال: “إنّ من يسمح للعالم أو جزءٍ منه باختيار خطة حياته بالنيابة عنه، لن يحتاج من ملكاته سوى ملكة التقليد كالقرود. أما من يختار خطته بنفسه، فيستخدم ملكاته كلّها. فطبيعة الإنسان لا تشبه آلة صمّمت وفق نموذج معيّن لتنفّذ المهام المنوطة بها، ولكنها أقرب إلى شجرة تحتاج إلى تنمية وتطوير نفسها على مختلف الصعد، وفق ميول القوى الداخلية التي تجعل منها كائنا حيّا.”[11]

2.5 افتراض كون الجنس والجندر بناءين اجتماعيين

يرى مؤيدو أيديولوجية مجتمع الميم، لاسيما الكثير من علماء نظرية الشذوذ والمدافعين عن السيولة الجندرية، الجنس والجندر مجرد بناءين اجتماعيين غير محدّدين بالواسمات البيولوجية. كما يشدّدون على أنهما قواعد مخلّدة من خلال استخدام اللغة. واكتسب هذا الرأي شهرة واسعة وتداولا في الوسط الأكاديمي بفضل ظهور نظرية الشذوذ التي تعدّ نتيجة لحقبة ما بعد الحداثة. لقد ردّ واضعو نظرية الشذوذ تطرفا نظريا واستبدوله بآخر، حيث أنكروا إملاءات الجوهرية البيولوجية – التي تؤكد تحديد التكوين البيولوجي للهويتين الجنسية والجندرية بشكل كامل – وأكّدوا أنّ الجندر ليس أكثر من مفهوم متماهي تُحدده تفضيلات الشخص وإرادته. وينفي علماء نظرية الشذوذ وجود أي رابط بين التكوين البيولوجي للشخص وهويته الاجتماعية من خلال إيلاء أهميّة حصرية بالبعد الفكري. كلا التطرفان مرفوضان. يتبنى الإسلام، الممثل بالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وأغلبية الأكاديميين موقفا وسطيا يثبتون فيه حقيقة الواسمات البيولوجية ويشددون في الوقت نفسه على إمكانية تأثير البيئة الاجتماعية للشخص على طبعه وشخصيته ومستوى التزامه الديني. ومن المؤسف أن نرى زعزعة نظرية الشذوذ لهذا التوازن الدقيق من خلال نسب قدرات التأثير واتخاذ القرار إلى الفكر وحده.

تعود جذور نظرية الشذوذ إلى ما بعد الحداثة التي تعدّ مذهبا فكريا جديدا نسبيا. وتعتمد نظرية الشذوذ مبدئين بعد حداثيين أساسيين. يتمثل الأول بالفكرة المتطرفة للشك التي ترى عدم إمكانية التوصل إلى الحقيقة الموضوعية المرتبطة بطبيعة الحقيقة. كان نيتشه أول من وضع دعائم هذه الفرضية من خلال مفهوم النسبية؛ ثم تطورّت بعد ذلك على يد المفكّر ما بعد البنيوي والمحلل النفسي الفرنسي ميشال فوكو Michel Foucault الذي ألّف عددا من الأعمال المتعلقة بالسلطة السياسية والخطاب كتاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي (1961)، وولادة العيادة (1963)، والكلمات والأشياء (1966)، والمراقبة والمعاقبة (1975)، وتاريخ الجنسانية المكوّن من عدّة أجزاء (1976). يرفض فوكو في هذه المؤلفات وجود الحقيقة المطلقة، ويروّج بدلا من ذلك إلى نسخة متطرفة من البنيوية الثقافية التي تدّعي كون الحقيقة مجرد تصورات ذاتية. وينتقل فوكو بعد ذلك إلى افتراض كون المبادئ البيولوجية – التي تشمل الجنس والجندر – مجرد بناءين اجتماعيين يتولدان من قواعد اللغة والسلطات العليا الحاكمة. إذا ثبتت هذه الحجة، فهذا يعني بأنّ جميع الافتراضات والتوقعات المعيارية المتعلقة بالجنس والجندر هي نتيجة للتنشئة الاجتماعية.

أما المبدأ الأساسي الثاني من الفكر ما بعد الحداثي فيتعلق بالدور الذي تلعبه التسلسلات الهرميّة على صعيد فرض وتشريع عدد من الأعراف الاجتماعية في مختلف قطاعات الدولة. بالإضافة إلى لعبها دورا محوريا في تعزيز بعض أشكال السلطة، في الوقت الذي تردّ فيه عددا من التعاليم والمبادئ الأخرى بذريعة عدم شرعيتها. ويرى فوكو تجذّر هذه الأنماط من إضفاء الشرعية ونزعها عبر الخطابات، مثل الثنائيات الاجتماعية التي تضفي قيما سامية على أعراف معيّنة وتنزعها عن أخرى. ويؤكد فوكو بأن النخب والأرستقراطيين كانا الطبقتان المتميزتان في المجتمع، وأدارا كيفية حصول باقي أفراد الشعب على معلوماتهم عن العالم من خلال تحديد طبيعة اللغة والخطابات المستخدمه معهم، الأمر الذي أدّى إلى تقييد وعي الطبقات الشعبية وإمكانية تحررها. وبالتالي، لا تعتمد الهرميات الاجتماعية على القوة المفرطة أو قوتها البنيوية للبقاء في السلطة، وإنّما تستفيد من الإمكانات الخطابية الكامنة في اللغة لضمان استمرار قبضتها الاستبدادية.  

تدرج نظرية الشذوذ عددا من المفاهيم ما بعد الحداثية للدفاع عن آرائها. ويستقدم واضعو نظرياتها ومؤيدوها مفهوم الخطابات لتفكيك ثنائيات المثلية الجنسية-الجنس المغاير، والذكر-الأثنى التقليدية المتجذرة بعمق. فمن وجهة نظرهم، تتجرد هذه التقسيمات من أيّ قيمة معيارية ولم توضع إلا لتكريس الاضطهاد؛ واكتسبت هذه الهالة من الشرعية من خلال الوضع الخلّاق للخطاب الكلّي الذي عُزّز في ما بعد بالقدرة البلاغيّة للغّة. فنزع الشرعية عن بعض الفئات أو عدم الاعتراف بها أو تهميشها من خلال الثنائيات لا يشكل اضطهادا وحسب، وإنما يعدّ شكلا من أشكال العنف أيضا.

يولي علماء نظرية الشذوذ دور اللغة أهمية استثثنائية لأنهم يرون عجزها عن تفسير الحقيقة. ويرجع أصل هذا الرأي إلى الفرنسي جاك دريدا Jacques Derrida الذي خطّ مؤلفات كثيرة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: في علم الكتابة (1967)، والكتابة والاختلاف (1967)، والصوت والظاهرة (1967). ويُنسب إلى دريدا إضافته عددا من المفاهيم الجديدة إلى الساحة ما بعد الحداثة مثل التحليل الألسني. يرى دريدا في عمله بأنّ اللغة نسبية؛ وعليه، فهي لا تشير إلى الحقيقة وإنما تُفهم من صميم نفسها. ويُفترض مساهمة اللغة في المحافظة على الهرميات الاستبدادية من خلال تفضيل بعض الطبقات أو الجماعات على غيرها. ويقول على سبيل المثال بأنه من خلال استخدام الثنائيات الهرمية – كالذكر-الأنثى، والعام-الخاص، والعقلي-العاطفي-، اتسمت الحضارة بالتحيز الفالوغوسنتري (أي المتمحور حول الذكور) الذي يفضّل الرجل على المرأة. ولذلك، لا تعكس اللغة الحقيقة ولكنها تعدّ وسيلة مفيدة لتغليب أطراف على غيرهم.

وبما أنّ نظرية الشذوذ ترى الجندر والجنسانية نتاجا للتنشئة الاجتماعية واللغة، فمن الشائع أن نرى تحريض نشطاء مجتمع الميم على الهرمية الاجتماعية واستخدام الناس للغة. وتكمن الفكرة من وراء ذلك في أنّه طالما أنّ المجتمع وخطابه الشائع مستبد بالوراثة، فيجب إذا الطعن به. وقد تساعد هذه البلبلة المتعمدة في تمكين الفرد من استخدام قدراته أو لغته الخاصة لخلق أو اكتشاف أو “ممارسة” جندره الجديد.

وهنا تلعب جوديث باميلا بتلر Judith Pamela Butler المنظرة الشذوذية المعاصرة دورا مهما في هذه المناقشة. قيّمت بتلر هيمنة الأعراف الجندرية من منظور الأداء الجندري، وهو مفهوم ابتكرته في كتابها المعنون بـ: Gender Trouble: Feminism and the Subversion of Identity (مشكلة الجندر: النسوية وتخريب الهوية). وكما تقول بتلر: “ليس ثمة هوية جندرية خلف عبارات الجندر؛ فتلك الهوية تتشكل أدائيا بـʾالعباراتʿ التي يُزعم كونها نتيجة لها.”[12] وبحسب بتلر، يعدّ الأداء الجندري مصطلحا يُستخدم للدلالة على كيفية تعميم الأدوار الجندرية من خلال الممارسات والعادات المتكررة في سياقات اجتماعية مختلفة. ففي مؤسسة الزواج على سبيل المثال، ثمة عددا من المعاملات والطقوس المسبقة المستخدمة لتعزيز الثنائيات الجندرية. ففي السياق المسيحي على سبيل المثال، يتوقع من القسّ – الذي يمنح صفة الوكيل الشرعي للزوج والزوجة – تلاوة العبارة الآتية بعد قراءة الزوجين لعهديهما: “أعلنكما الآن رجلا وزوجة”. ترى بتلر وجود أعراف وبنى اجتماعية تعطي هذه العبارة آثارها القانونية والتي من دونها لن يكون لكلام القسّ أي سلطة اجتماعية أو قانونية. إلا أنّه نظرا لطابعها المتكرر في مختلف طبقات المجتمع، واللغة التي تعطيها هالة من الشرعية، يفترض الناس كونها معيارية. تشدّد بتلر على ضرورة الطعن بهذه البنى الاستبدادية والأعراف الاجتماعية من قبل قطاعات المجتمع كافّة حتى يتحرروا من براثن التسلط ويعيشوا أساليب حياة بديلة خارجة عن تلك الثنائيات.

تحتفي المحافل النقدية وما بعد الحداثية بأعمال فوكو لأنها تعدّ النقد الأقوى والأوسع صدى لبنى الحكم الحديثة. ولا بدّ لنا هنا من الإشارة إلى تبني عدد كبير من المفكرين والعلماء الذين لم نأتِ على ذكرهم إلى الآن لتلك المبادئ ما بعد الحداثية الواردة أعلاه، مثل سيمون دوبوفوار Simone de Beouvoir العالمة النسوية والفيلسوفة الوجودية المعروفة. لقي كتابها الجنس الآخر (1949) ترحيبا واسعا، وكانت قد أوردت فيه عباراتها الشهيرة: “نحن لا نولد نساءً، بل نصبح كذلك”.[13] تشير دوبوفوار من خلال ذلك إلى الفرق بين الجنس والجندر من خلال التشديد على أهمية التنشئة الاجتماعية في تشكيل هوية الفرد. وعلى الرغم من عدم تصنيفها كإحدى علماء نظرية الشذوذ، فلقد كان لدوبوفوار دور مفصلي في تطوير فكرة التمييز بين الجنس الذي يكتسبه الإنسان عند ولادته والجنس الذي يمكن أن يصبح عليه على الصعيد الاجتماعي. كما لعبت الناشطة النسوية وعالمة علم الإنسان الثقافي غاييل روبن Gayle Rubin دورا محوريا في تطوير نظرية الشذوذ من خلال الإشارة إلى مؤسسات اجتماعية أخرى تولد أعراف استبدادية. وترى روبن في تحليلها بأن مؤسسة الأسرة تنصّ على عدد من البنى الهرمية والافتراضات المعيارية التي تصب في صالح الذكور على حساب الزوجات النساء. وبحثت روبن هذه المفاهيم في مقالتها الأكاديمية التي تحمل عنوان “The Traffic in Women: Notes on the ‘Political Economy’ of Sex” (تجارة النساء: ملاحظات حول ʾالاقتصاد السياسيʿ للجنس”) وأشارت إلى حصر دور المرأة بالصعيد الخاص، وإجبارها على المساهمة في المجتمع كطرف أدنى منزلة من خلال عملية الجندرة التي ترفع الرجل إلى منزلة المشارك الفاعل على الصعيد العام، وتقلّص دور المرأة لتصبح المتلقي السلبي للأوامر. لقد وُجدت هذه البنى القائمة على الجندر منذ آلاف السنين وفي كل الحضارات تقريبا.

  1. ردّ الإسلام على افتراضات مجتمع الميم: متناسب وغير عام

 من المثير للاستغراب وصف كثير من النشطاء والمدافعين عن أيديولوجية مجتمع الميم لروايتهم وحججهم بطريقة تجعل رؤيتهم تبدو وكأنها قطعية الثبوت. غير أنّ المناقشة أعلاه تظهر بوضوح حاجة الافتراضات الأخلاقية والفلسفية التي تقوم عليها هذه الأيديولوجية إلى الدليل، لأن هذه الافتراضات الأساسية ليست صحيحة بطبيعتها أو بديهية. ولهذا السبب، لا يترتب على المسلمين أو الإنسانية أي واجب معرفي أو أخلاقي للتصديق بهذه الأيديولوجية أو الدفاع عنها أو الترويج لها.

وتظهر حقيقة وجود رؤى بديلة تطعن بافتراضات أيديولوجية مجتمع الميم وجوب تمحور النقاشات على الحقيقة المزعومة لتلك الافتراضات. ويعدّ الدفاع عن رؤية معينة بصورة غير مشروطة، كما يفعل النشطاء والمدافعون عن مجتمع الميم، شكلا من أشكال النرجسية الفكرية. وفي الواقع، لا يمكن وصف الطريقة التي تم بها الترويج للسيولة الجندرية، وفرضها وتقديسها في قوانين الكثير من الدول الغربية إلا بالسطوة الأيديولوجية.

يردّ الإسلام جميع الحجج الخمسة السابقة التي جاءت بها أيديولوجية مجتمع الميم لبطلانها. ويملك الإسلام  المصادر الفلسفية والعقائدية لعرض أنماط تفكيره المُحكمة التي تولّد رؤية أخلاقية تتمحور حول وجود الله الرحيم العليم الذي أنزل تعاليمه لخير البشرية في الدنيا والآخرة.

ونعرض فيما يلي الردّ الإسلامي المفصّل على الحجج الفلسفية الخمسة الرئيسة.

3.1 ردّ الإسلام على حجة ملكية الجسد واستقلاله

كما بيّنا في الفقرة 2.1، يرى الكثير من المؤيدين لأيديولوجية مجتمع الميم كون حقوق المثلية الجنسية والسيولة الجندرية نتيجة منطقية لحقيقة امتلاك البشر لأجسادهم. وبناءً عليه، يحق لهم فعل ما يشاؤون بها، الأمر الذي يشمل بطبيعة الحال أعضاءهم التناسلية. ترفض الرؤية الإسلامية هذا الزعم، لأنها تؤمن بامتلاك الله تعالى وحده لأجسادنا، ولذلك فهو وحده من يملك الحق بسنّ الأحكام المتعلقة بكيفية استخدامها وتنظيم شؤونها في هذا العالم. يقول الله عزّ وجل في محكم تنزيله:

﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [المؤمنون: 78-80]   

وبعد سرد الله تعالى للنعم التي أسبغها على البشر، ينتقل سبحانه إلى تسطير سلطته على الكون بأسره من خلال طرح عدد من الأسئلة البليغة:

﴿قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: 84-89]    

خلق الله تعالى كلّ ذرّة في هذا الكون، وبالنتيجة تعود ملكيتها له وحده. وتعدّ أجسادنا أمانة ائتمننا الله عليها، لذا ينبغي علينا الحرص على استخدامها بما ينسجم مع الأوامر والنواهي الإلهية. وبعبارة أخرى، تمثل أجسادنا انعكاسا لقدرة الله على الخلق ودليلا على ربوبيته لكل البشرية. ولهذا السبب، يملك عزّ وجلّ كلّ الحق في تحديد كل ما يمكن فعله بها باعتبارها ملكًا له وحده.

وعلى الرغم من ربوبية الله تبارك وتعالى لجميع الكائنات، إلا أنّ الإسلام يعطي وكالة البشر على أجسادهم. وهذا يعني منحهم الإرادة الحرة للتصرّف بكلّ طريقة ممكنة. غير أنّ هذه الإرادة الحرّة يترتب عنها مسؤولية طاعة أوامر الله سبحانه وتعالى. تُجسد أوامر الله إرادته التي تنسجم مع طبيعته. وبما أنّ الله تعالى هو العليم الحكيم الرحيم الودود، فهذا يعني بأن في اتباع أوامره صلاح أمرنا، وضمان سلامتنا وسعادتنا. وهذا الأمر ليس مجرد نقطة نظرية، لأنها أُثبتت من خلال التطبيق العملي لهذه الأوامر على الصعيدين الشخصي والاجتماعي.

3.2 ردّ الإسلام على حجة الحقوق الفردية

يبني عدد كبير من المؤيدين لأجندة مجتمع الميم نظرتهم الجنسية الليبرالية على فكرة سلبية للحقوق الفردية التي تمنح نظريا كل فرد حرية التحكم بجسده بالطريقة التي يشاء. وبحسب وجهة النظر هذه، تسمح هذه الحقوق للفرد بممارسة العلاقات الجنسية المثلية، وتغيير هويته الجندرية. غير أنّ هذه الحجة ليست أكثر من استنتاج متسرّع. وتجدر الإشارة إلى أنّه على الرغم من رفض الأخلاقيات الإسلامية لهذه النظرة الليبرالية، فإنّ الشريعة الإسلامية تعطي مساحة من الحقوق الفردية التي اصطلح على تسميتها بحقوق العباد.

يقوم المفهوم الليبرالي للحقوق على مفهوم ذرّي أو فرداني للإنسان؛ الأمر الذي يجعله كائنا منعزلا عن روابطه الاجتماعية وعن واجباته. كما تعطي الفوقية للفرد وهذا ما أفضى إلى قيام سياق قانوني يعطي الأولوية للفرد على الجماعة. وعلى الصعيد العملي، يرى المؤيدون للامتيازات والحقوق التي منحتها الليبرالية للإنسان كونها مطلقة، كما وصل بهم الأمر إلى حدّ زعم كونها طبيعية وعامّة. لا تقبل جميع المجتمعات والثقافات النموذج الليبرالي، وتتبنى على سبيل المثال النموذج الاشتراكي أو الشيوعي بدلا من الفردانية. فضلا عن ذلك، يفترض الليبراليون بصورة خاطئة امتلاك الإنسان للمدارك والطاقات الإبداعية لإعطاء نفسه حقوقا مطلقة. وأقل ما يمكن قوله عن هذا الافتراض هو أنّه مُشكل لأن البشر كائنات طارئة تملك علما محدودا وهشّا عن العالم الذي يعيشون فيه. ويتلبّد حكم الأشخاص ومفاهيمهم حول الكون في كثير من الأحيان برغبات وحاجات بدائية. لا يمكن للبشر نتيجة لذلك أن يكونوا الحكم في تحديد طبيعة الأفعال، لذا يتوجب عليهم الخضوع لحكمة خالقهم وعلمه المطلق وإن لم يستطيعوا فهم الحكمة من هذه الأوامر بالكامل.

في الواقع، لا يُستمد أي مفهوم عامٍ للحقوق إلا من عند الله سبحانه وتعالى الذي أعطى لنفسه الأسماء. فهو البَرّ الرحمن الودود العليم الحكيم. تمثل هذه الأسماء والصفات رحمته وعلمه ولطفه سبحانه بجميع خلقه. وتعدّ أوامره تجسيدا لإرادته، وتفرعا من طبيعته الكاملة؛ وصدرت بالتالي بحكمة وعلم كاملين الأمر الذي يجعلها جديرة بالطاعة والتعظيم التامّ. الله ليس فردا من هذا العالم ولا تقيّده حدود الزمان والمكان، ولذلك يعلم كلّ ما يصبّ في صالح عباده. يؤكد الله عزّ وجلّ لعباده في كتابه العزيز بأنّه لا يأمر إلّا بالطيّب النافع، ويُحرّم كلّ ضارّ مهلك:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 28]

3.3 ردّ الإسلام على حجّة غياب المظاهر الضّارة

لقد أشرنا في الفقرة 2.3 إلى قول عددٍ كبير من مؤيدي أيديولوجية مجتمع الميم بعدم وجود أي ضرر من الزواج المثلي والسيولة الجندرية، لذا يجب بالنتيجة إباحتهما. وكان الفيلسوف المعاصر كريس مايرز الذي وضع مفهوم “الحجة البسيطة” أوّل من تكلّم بهذا النمط الفكري. يتبنى مؤيدو مجتمع الميم نظريات أخلاقية قياسية محدّدة لتبرير حججهم، على رأسها النفعية وأخلاق الواجب. ويتجلّى الرد الإسلامي بكل بساطة في عدم وجود أي مبرّر لقبول النظريات الأخلاقية العلمانية. فالبشر ليسوا مجرد كائنات أتت إلى الوجود بالصدفة، وبذا يستطيعون تحديد الخير وفقا لرغباتهم وأهدافهم المحدّدة مسبقا. يستوجب وجود إله رحيم وعليم وحكيم الالتزام بمعاييره حيث إنّ علمه وحكمته غير متناهية. ويُعرف هذا النموذج الأخلاقي المتمحور حول الله بنظرية الأوامر الإلهية التي تؤكد بكمون الخير – بالمعنى العقدي والمعرفي – في ما يأمر به الله، وكمون الشرّ فيما ينهى عنه. فعلم الله وحكمته كاملان كمالا تامّا، الأمر الذي يترتّب عليه كمال أوامره، وأخذها بعين الاعتبار للعواقب الاجتماعية الناتجة عن فعلٍ معيّن. ولذلك، ينبغي على جميع البشر طاعة أوامره، وإن لم يستطيعوا استشفاف الحكمة الكامنة وراءها. وبعبارة أخرى، تتمثّل المظاهر الخاطئة في المثلية الجنسية  والسيولة الجندرية في مخالفتها لأوامر الله التي صدرت بعلم وحكمة كاملين. فالإنسان الفاني الزائل لن يتفوّق في أيّ حال من الأحوال على الكامل الأزلي.

هذا وبرفض الإسلام بالتوازي استخدام النظريات الأخلاقية العلمانية كالنفعية وأخلاق الواجب باعتبارهما غير ملائمتين وذاتا معايير معرفية قصيرة النظر. وبصورة أكثر تحديدا، ترى الأخلاقيات الإسلامية بأنّ كلّ واحدة  من نظريات القيم هذه مشوبة بعددٍ من أوجه القصور الفاسدة التي تجعها غير قابلة للتطبيق لجهة تقييم القيمة الأخلاقية لأفعال البشر؛ فهي في نهاية المطاف نتائج نظرية لعقل البشر الذي يفتقر إلى القدرة على استنباط الأحكام الأخلاقية الدقيقة بصورة مستقلة. فعلى سبيل المثال، يمكننا النظر في كيفية تشوّه النفعية بالانحيازات الدنيوية والعلمانية حيث يقّيم الإنسان أفعاله من خلال الاهتمام حصرا بنتائجها في هذا العالم المؤقت؛ يعدّ هذا الأسلوب التقييمي قصير النظر بلا أدنى شكّ لأنّه يعجز عن مراعاة نتائج أفعال الإنسان في العالم الآخر، لا سيما الحياة الآخرة. لا تتّسم هذه الرؤية بالقصور فقط، لكنها خطيرة أيضا لأنها تقلّص الإنسان إلى حاسبات تسعى خلف زيادة المتعة من دون أي هدف أخلاقي سامي. يرفض الإسلام هذه النظرية جملة وتفصيلا، ويؤكد بدلا من ذلك على وجوب مراعاة حسابات التكلفة والفائدة للآثار غير الدنيوية الممكنة. ويمكن سوق الانتقادات نفسها نحو نظرية أخلاق الواجب. يعتمد مؤيدو هذه النظرية الأخلاقية على عقل الإنسان لصياغة الأحكام الأخلاقية. يؤمن علماء نظرية أخلاق الواجب بأن قدرات العقل البشري كافية لتحديد القيم الأخلاقية والواجبات. ولكن، من يملك الحق في إملاء هذه الواجبات الأخلاقية علينا، وبحسب أيّ معايير يتم صياغتها؟ بالنسبة للإسلام، الجواب هو الله تعالى، ذو الكينونة الكاملة الذي يملك القدرات لجعل أوامره مصدرا للأخلاق. وببساطة، يعدّ من المنطقيّ قبول الله تعالى كأساس للواجبات الأخلاقية على البشر بحكم كينونته. فمحاولات تعميم الأخلاقيات العلمانية تبقى دائما محاطة بخيبات الأمل. وعلى سبيل المثال، يؤمن تلاميذ كانط بإمكانية تطبيق سلوك معيّن على الصعيد العام إذا توافق مع التجارب الفكرية المنصوص عليها في الحتمية المطلقة. يرى الإسلام بأنّ هذه المعايير المعرفية الضعيفة تعكس محدودية العقل البشري، وتسلط الضوء على ضرورة الوثوق بأوامر الله المعصومة عن الخطأ.  

يعمد مؤيدو أيديولوجية مجتمع الميم إلى إثارة معضلة يوثيفرو بغية توطيد رؤيتهم العلمانية للأخلاق وللعالم. ويدّعي هؤلاء تمثيل هذه المعضلة مأزقا فكريا للمفاهيم الأخلاقية القائمة على الدين. وتطرح هذه الحجة الفلسفية المضادة السؤال الآتي:  هل يعدّ أمر معين خيرا لأن الله أمر به، أم هل أمرَ الله به لأنه خير بالفعل؟[14] إذا ثبت الجزء الأول من المعضلة، فهذا يعني اعتباطية أوامر الله. أما إثبات الجزء الثاني منها فيجعل أوامر الله فضفاضة وخارجة عن الخير نفسه، إذ على من أراد معرفة ماهيّة الخير أن يحكم على أوامر الله بأنها خير. إذا قُبل كون جزأي هذه المعضلة تفاعلا دقيقا بين الخير وأوامر الله، فسيترتبّ عن ذلك عدم لعب الأوامر الإلهية أي دورٍ حاسم في جعل فعلٍ معينٍ خيرا. في الواقع، تعدّ هذه الحجة المضادة معضلة باطلة، لوجود احتمال ثالث هو: الفعل خير لأمر الله به، لكنّ أوامره ليست اعتباطية، وليست ʾمنفصلةʿ عن طبيعته كما يفترض الجزء الأول من المعضلة. تنبثق أوامر الله من حكمته وكماله، وهذا ما يشير منطقيا إلى عدم اعتباطية أوامره.

يأخذ بهذا النمط الفكري عدد كبير من العلماء المسلمين، من بينهم المجدّد والعلّامة الهندي الكبير شاه ولي الله الدهوالي الذي استفاض في شرحه من خلال عددٍ من التجارب الفكرية الدقيقة.[15] ونظرا لطبيعة أسلوب الدهوالي التفصيلي والتجريدي، سنستخدم حالة تصويرية أكثر عصرية بدلا من ذلك. في المجمل، تراعي أوامر الله تعالى على الصعيدين التشريعي والأخلاقي الحاجات الفردية والجماعية للبشر في شؤونهم الأخلاقية والاجتماعية والسياسيّة. وتشبه أوامر الله تعالى التي يصدرها لعباده مفتاحا يمكن للإنسان استخدامه لمعالجة جميع المشكلات التي قد  تواجهه، وتحسين حياته، وإطلاق العنان لقدراته ككائن أخلاقي. وكما أنّ المفاتيح مصمّمة لفتح الأبواب الموصدة، كذا أوامر الله منزلة لخير الإنسان ولحلّ مشاكله الدنيوية. وبموجب هذا التشبيه، تتجلّى سخافة افتراض اعتباطية أوامر الله تعالى، وتجردها من أيّ حكمة؛ لأنه يشبه الزعم الخطير بأن نجاح مفتاح بفتح باب معيّن إنّما حدث بالخطأ، ولم يُخطط تصميمه على هذا النحو مسبقا.

3.4 ردّ الإسلام على حجة تشكيل الهوية

كما بيّنا في الفقرة 2.4، يزعم كثيرٌ من مؤيدي أيديولوجية مجتمع الميم لعب العلاقات الجنسية المثلية وتغيير الجندر دورا إيجابيا في تكوين هوية الفرد. ووصل بهم الأمر إلى حدّ القول بأن التدخل ضدّ هذه العملية قد يضرّ بالحالة المزاجية للإنسان وبصحّته. وعلى الرغم من شهرة هذا الزعم، إلّا أنّه باطل كما ثبت من خلال النجاح التاريخي في استخدام جهود تغيير التوجه الجنسي، أو جهود تغيير الهوية الجندرية حيث يستخدم الأطباء تقنيات علاجية مختلفة لحثّ المريض على العودة إلى الممارسة الجنسية المغايرة. ومن خلال هذه الأساليب العلاجية، يُعاد تأهيل الشخص الذي يعاني من الرغبات الجنسية المثلية أو اضطراب الهوية الجندرية، ومدّه بالقوة لمقاومة هذه الأوهام وعيش حياة جنسية طبيعية. ويشهد حظر هذه الجهود في النصوص القانونية على فعاليتها، ويثبت هشاشة الرغبات والهويات المرتبطة بمجتمع الميم، وإمكانية تغييرها من خلال المراقبة الفعّالة والعلاج؛ وحتّى لو أراد أحدهم افتراض متانة هذه الرغبات وعدم القدرة على تغييرها، فإنها تبقى حجة ركيكة، لأنّ وجود الرغبات لا يترتبّ عنه أي انعكاسات على تشكيل الهوية في النموذج الإسلامي. فالمعيار الحقيقي الوحيد الذي يشكّل هويات البشر هو أنهم عباد الله تبارك وتعالى. ويشير القرآن الكريم إلى أنّ الخضوع لله تعالى بالعبادة هو النظام الطبيعي للأمور والسبيل الوحيد لاكتساب كرامتنا كبشر:

﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [البقرة: 138]

يستخدم الله عز وجل في هذه الآتية لفظ “صبغة” الذي يتقاسم مع لفظ “فطرة” الكثير من السمات اللغوية والمواضعية. غير أنّه ثمة بعض الفروقات بين المصطلحين مع إكمال مضامينهما الخاصّة لبعضهما بعضا. يشير لفظ الفطرة إلى كيفية ولادة كلّ إنسان على منهج التوحيد الصافي السليم.[16] غير أنّه مع تقدّم الإنسان في العمر، لن تبقى هذه الفطرة الصافية إذا لم يلتزم الإنسان بأوامر الله، ولم يعش أسلوب حياة مستقيم أخلاقيا، ويحرص على المحافظة عليه بعناية. فالسير خلف الرغبات الدنيوية من دون التحكّم بها أو تنظيمها من خلال المراقبة الأخلاقية والدينية سيحيد بالإنسان عن طريق الخير، وسيحرمه من النجاة في الآخرة. يُسمّى هذا الالتزام الدائم بالدين وأوامره كافّة بالصبغة التي تعني حرفيا الطلاء أو اللون. ويقول القرطبي في تفسيره لهذه الآية: ” فسمي الدين صبغة استعارة ومجازا من حيث تظهر أعماله وسمته على المتدين ، كما يظهر أثر الصبغ في الثوب.”[17] وإذا فشل الإنسان في أداء الواجبات اللازمة للتصبغ بصبغة الله، انحرفت الفطرة وفسدت. ويستدلّ على ذلك من خلال الآية الآتية:

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: 30]

يمكن الهدف الرئيس من وجود البشر في هذه الحياة في الإقرار بوجود خالقهم؛ أي معرفته، ومحبته، وطاعته، والتضرع إليه، والخضوع لأوامره. وباختصار، لقد خُلق البشر لكي يعرفوا عِظم خالقهم ويعبدوه وفق هذا الأساس. فغاية وجودهم في هذه الحياة ليس تعظيم أنانيتهم القائمة على إشباع الملذات الدنيوية، والعيش حسب رغباتهم؛ وإنّما توجيه سرّهم وعلانيتهم نحو الله تبارك وتعالى. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أنّ أي رغبة تخالف تعاليم الإسلام تعدّ منكرة. يقول الله عزّ وجلّ في محكم تنزيله:

﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: 50]

تسعى أيديولوجية مجتمع الميم إلى امتهان الإنسان بجعله وحشا يحدّد رغباته ويخضع لها. بينما يرفع الإسلام قدر الإنسان من خلال حثّه على السيطرة على رغباته، والتأكد من التعبير عنها وإظهارها بما ينسجم مع الإرادة الإلهية التي تقود إلى السعادة في الدنيا والآخرة.

3.5 ردّ الإسلام على القراءة البنائية للجنس والجندر

يعبّد الإسلام في ردّه على قراءة حركة مجتمع الميم المتحرّرة والمرنة للجنس والجندر طريقا وسطا في جدال الطبيعة-التنشئة، يصهر فيه الحقائق التي توصلت إليها الاكتشافات البيولوجية والتأثيرات الملموسة للتنشئة الاجتماعية. يعدّ التطرفان الأيديولوجيان المتمثلان بالمادّية البيولوجية والبنيوية الاجتماعية غير صحيّين، ويزدريان البديهيات الأساسية التي تؤكد بأن الحقيقة المعاشة هي مزيج من الأبعاد الماديّة والتجريبيّة. يخالف التركيز الحصري لنظرية الشذوذ على التنشئة الاجتماعية والطبيعة النسبية للغة الحقائق الراسخة في الإسلام الذي يشدّد على تمتّع البشر بطبيعة فطرية تقودهم نحو الله. ويتمثل أحد أهمّ جوانب هذه الفطرة في ثنائية الذكر والأنثى التي يترتب عنها الحكم بوجود جنسين فقط. يؤكد الإسلام هذه الحقيقة بإيجاز صريح في الآية الآتية:

﴿ولَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَىٰ﴾ [آل عمران: 36]

يدفع علماء نظرية الشذوذ بالرأي القائل بتجذّر المعيارية الجندرية من خلال التنشئة الاجتماعية واللغة. ويقولون، بالاستعانة بفهم دريدا للغّة، بأنّ الأخيرة لا تمثّل الحقيقة. يتعارض ذلك مع فهم القرآن لطبيعة اللغة:

﴿وعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: 31]

وبحسب المفسّرين المتقدّمين، يشير تعليم الله تعالى آدم، أوّل البشر، الأسماء إلى إلهامه “معرفة ذوات الأشياء وخواصها وأسمائها وأصول العلوم…”[18] بالإضافة إلى ذلك، تثبت الدراسات الأكاديمية وجود اختلافات بيولوجية وفيزيولوجية ونفسية كثيرة بين الرجل والمرأة. ويعدّ إنكار الحقائق البيولوجية الأساسية وإعطاء الغلبة الكاملة للتنشئة الاجتماعية مسعى خطيرا قد يؤدي إلى الحماقات الأكثر سماجة. فعلى سبيل المثال، يحقّ لشخص يؤمن بالأجندة ما بعد الحداثية بشكل عام، ونظرية الشذوذ بشكل خاص الظهور أمام أقرانه مرتديا زيّا مفرّى، والمواء بصوت مرتفع، والإعراب عن رغبته بالتعريف عن نفسه كقِطّ. وإذا رغب الشخص نفسه في الأسبوع التالي التعريف عن نفسه كسحاقية سوداء على الرغم من كونه ذكرا أبيضا، فيجب على أقرانه احترام هذا التعريف. وعلى الرغم من رضوخ أقران هذا الشخص بأدب لرغبته، إلا أنهم في قرارة أنفسهم يرفضون هذه المخالفة الغبية للواسمات البيولوجية. ويمكن لهذا التجرّد من الحقائق الموضوعية لعلم البيولوجيا أن يسمح بصورة فورية لذكر أبيض بالتعريف عن نفسه كسحاقية سوداء، ولو لم يتوافق مظهره وسلوكه مع هذه الهويّة المعبّر عنها. ونستطيع من خلال هذه التجارب الفكرية إظهار التناقضات المنطقية غير القابلة للتوفيق للحركة ما بعد الحداثية.

أما القشّة التي تقصم ظهر المنظّرين الشذوذيين وما بعد الحداثيين فهو التناقض المعرفيّ الصارخ الآتي. يزعم مؤيدو هذه النظرية بأنّ الهرميّات واللغة مصدران موضوعيّان للاستبداد والضرر، غير أنّ نظريتهم تنصّ على عدم القدرة على التوصّل إلى قيم موضوعيّة (لأنها نتيجة للهرميّات المتسلطة واللغة اللتين يمكن فقط تغييرهما والطعن بهما من دون تدميرهما تماما). وللمفارقة، تحتّم أدوات نظريتهم تلك الإقرار بعدم وجود أي شكل من أشكال الظلم، أو الضرر، أو الاستبداد في هذا العالم بشكل مؤكّد، الأمر الذي يجعل جميع افتراضاتهم عرضة للنقد. وبعبارة أخرى، إذا كان المنظرون الشذوذيون والعلماء ما بعد الحداثيين عاجزون عن إعطاء تعريف موضوعي للخير، فيجب عليهم الاعتراف بأنّ جميع الأخطاء التي يسموّنها بالاستبداد ليست أكثر من نتيجة لأهوائهم الذاتية.

  1. ردّ الإسلام على الاعتراضات الشائعة لمجتمع الميم

يلجأ المدافعون عن حركة مجتمع الميم في الغالب إلى استخدام عددٍ من الأفكار الباطلة والمعتقدات المبتذلة لإضفاء الحيادية على حجج انتقاداتهم. وستتناول هذه الجزئية من البحث ردّين شائعين يستخدمهما علماء مجتمع الميم كلّما قام المسلمون وغيرهم من الأخلاقيين بالطعن بآرائهم والتصدّي لها. وسيبرهن هذا الجزء من خلال تبنّيه للمنظور الإسلامي بطلان هذين الردّين وعدم صمودهما أمام التمحيص الدقيق، كما سيثبت توافق الرأي الإسلامي مع مقتضيات المنطق الإنساني الذي يسمح للمسلمين بتنظيم سلوكهم بشكل أخلاقي.

4.1 عدم فرض الآراء الشخصية على الآخر

 يردّ أفراد من حركة مجتمع الميم عند تعرية حججهم بالعبارة الآتية: “لا تفرض قناعاتك عليّ”. يعدّ هذا الردّ مثيرا للسخرية لأنّ المدافعين عن هذه الأيديولوجية – ولا سيما أعضاء حركة التحول الجنسي – يموّلون ويروّجون بشراسة منذ أكثر من عقد لأجندتها في المجتمع المدني، وبالأخص في المناهج التعليمية. وينبغي لهذه الفئة الشاذّة إذا ما أرادت إعطاء ردّها وزنا التوقّف عن فرض ما يسمّى ببرامج تأكيد الجنس على الأطفال التي يترتّب عنها استئصال الأعضاء التناسليّة للشخص، واستبدالها بأخرى تحاكي الجنس المغاير. وبدلا من الاعتراف بإمكانية معاناة الإنسان من اضطراب الهوية الجندرية، يستغلّ مؤيدو هذه الأجندة الهشاشة العقلية والنفسية لدى الأطفال، ويشجعونهم على إجراء جراحة إعادة تأكيد الجنس. ويجب التحذير من أيّ شخص يدافع عن هذه الأجندة وزجره علنا، لأنّ ما يفعله هو تحويل مرض عقلي إلى أمرٍ ثابتٍ في السياسة العامّة.

وعلى الرغم من انتقادنا للمدافعين والمؤيدين لحركة التحول الجنسي، إلّا أنّه يجب على المسلم الشعور بالتعاطف معهم لأنهم في الواقع ضحايا مرض عقلي يجعلهم يؤذون تكوينهم العقلي والنفسي بصورة مستمرة. ويتمثّل التصّرف الأكثر منطقية ومصداقية لمساعدتهم بحقّ في إقناعهم بأنهم يسيرون في طريق خطير سيؤدي إلى هلاكهم في الدنيا والآخرة. وينبغي للمسلم عند نقاشه مع أفراد من مجتمع الميم اغتنام الفرصة لدعوتهم إلى الله تعالى وإلى الإسلام؛ وتذكيرهم بأنّ التحرّر لا يتحقق إلّا عن طريق نموذج متمحور حول الله تعالى، إذ لا يمكن الوصول إلى السعادة والأصالة إلا من خلاله. كما ينبغي التطرّق في هذه المناقشات إلى مسألة كون الله هو أحسن الخالقين، وإلى حرصه على تلبية حاجات جميع خلقه في التكوين الجسدي الذي خلقهم عليه في هذه الحياة. ويشكّل التلاعب بأسس هذه الحقيقة انتهاكا للنظام الفطري الخاص به سبحانه.

4.2 ادّعاء “الحبّ هو الحبّ”

يحاول مؤيدو مجتمع الميم تبرير العلاقات الجنسية المثلية من خلال الاستعانة بالشعار الشهير الجديد “الحبّ هو الحبّ.” يمكن الردّ على هذا الزعم بطريقتين مختلفتين. أوّلا وقبل أيّ شيء، يعدّ هذا الزعم باطلا على الرغم من جاذبيته ظاهريا. ويمكن مواجهته بعبارات موازية تقود إلى نتائج مخالفة للمنطق مثل “الماء هو الماء.” إذا أراد أحدهم قبول هذه العبارة، فهذا يعني بأن شرب الماء من المرحاض لا يختلف عن شربه من النهر. وبالتوازي، يمكن الطعن به من خلال افتراض آخر هو “الجنس هو الجنس.” إن أخذ هذه العبارة الأخيرة كمبدأ عام يعني بأنّ ممارسة الجنس مع جثة يجب أن يعدّ مقبولا أخلاقيا؛ غير أنّ هذا الافتراض يعارض مداركنا الأساسيّة. يثبت تكرار هذه الافتراضات المخالفة خلوّ شعار مجتمع الميم من أيّ قيمة معرفية، وإذا طُبقّ بصورة مستمرة على صعدٍ أخرى فسيسمح بارتكاب المزيد من الممارسات غير الأخلاقية القبيحة.

ثانيا، تجدر الإشارة إلى أنّ استخدام شعارٍ من هذا النوع ليس أكثر من مناورة لا تهدف إلّا إلى نزع الشرعية عن المنتقدين لكونهم متعصبين. وهذا أبعد ما يكون عن الحقيقة. وتظهر الحقيقة المجرّدة أنّ المسلمين هم أكثر الجماعات والأديان كرما ومحبّة في العالم. ويُروى عن النبيّ صلى الله عليه وسلّم إسداءه النصيحة الثمينة الآتية ليزيد بن أسد قائلا: “يا يزيد بن أسد أحبّ للنّاس ما تحبّ لنفسك.”[19] فضلًا عن ذلك، قال النبيّ صلى الله عليه وسلم في لفظٍ آخر أكثر شهرة لهذا الحديث: “لا يؤمن أحدكم حتّى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه.”[20] ويرى بعض المفسّرين بأن لفظ “أخ” الوارد في هذا الحديث يشير إلى كل فرد من أفراد الإنسانية بغض النظر عن دينه.[21] ولذلك، يتمنى المسلمون لكل إنسان نيل نصيبه من الخير والسعادة في الحياة.

غير أنّ ذلك لا يفضي إلى قبول الممارسات الخاطئة كالكفر، والزنا، وتغيير خلق الله سبحانه وتعالى؛ بل على العكس، يدعو المسلم لغير المسلم بالهداية أملا في نجاته من خلال اتباعه دين الإسلام الحقّ. يخالف ذلك مناصري هذه الحركة الضّالة التي تدعو إلى تشويه النفس، ورفع الحياء والحشمة، وتدمير مؤسسة الأسرة.

  1. مجتمع الميم أو الإسلام؟

ستقود هذه المناقشة إلى استنتاج الاختلاف الجذري بين أيديولوجية مجتمع الميم والإسلام في رؤيتهم ومفاهيمهم المرتبطة بالأخلاق والحقوق التي تقوم على عقيدتين متضادتين، الأمر الذي يؤدي إلى طرح السؤال الحتميّ: أيّ من هاتين الرؤيتين هي الصحيحة؟ 

إذا أراد المدافعون عن حركة مجتمع الميم الطعن بالمنظور الإسلامي على افتراضاتهم، فيجب عليهم النجاح في الطعن بالاستنتاج الذي يؤكد وجود الله سبحانه وتعالى، وإنزاله القرآن الكريم الذي يكشف بوضوح ربوبيته وقدرته على الخلق. وعلى الرغم من الطابع الفطري للمنظور الإسلامي، إلّا أنّنا نحتاج إلى عرض أدلة وجود الله سبحانه وتعالى، وكون القرآن كتابه لكي نثبت صدق الإسلام. لن يأتي هذا البحث على مناقشة هذه المسألة لأنها لا تقع ضمن نقاط الدراسة التي بين أيدينا، إلّا أنّه ثمة الكثير من الأدلة التي تثبت صدق الرؤية الإسلامية.[22]

بالنسبة للمؤمن، يفتح أسلوب النقاش المجال أمام التركيز على أسس رؤيته بدلا من الانخراط في نقاش مطوّل حول الافتراضات والحجج العائدة لمن يحاوره. ويمكن للمسلم أن يقول إذا كان الله موجودا، فإنّه الإله الواحد الأحد الذي أنزل القرآن من لدنه، والمستحقّ الوحيد للعبادة. وبالنتيجة، يترتبّ عن ذلك القول بصدق ما يقوله حول العلاقات الجنسية المثلية والسيولة الجنسية. يتجسّد المنطق من وراء ذلك في أنّ الله تعالى هو السلطة الأخلاقية العليا بفضل كينونته. والتأطير الصحيح لهذه المسألة هو في إفهام المدافعين عن مجتمع الميم بأنّ رؤيتهم ليست عامّة، وقائمة على افتراضات يمكن الطعن بها. وبمجرد فهمهم لذلك، سيستطيعون التحدث بانفتاح حول إمكانية بطلان منظورهم، ووجود بديل آخر متناغم ومنطقي. وهنا يأتي وقت الدفاع عن رؤيتنا من خلال شرح وحدانية الله والركيزة المنطقية للإسلام. تتمثل العوائق الرئيسة التي تمنع هذه الاستراتيجية من النجاح في الشتائم ومحاولات الإلغاء وتعصّب مؤيدي مجتمع الميم التي تحدث للأسف في أحيان كثيرة ولا يمكن الفرار منها.

  1. الخاتمة وملاحظات ختامية

كشف هذا البحث اللثام عن الافتراضات الرئيسة لأيديولوجية مجتمع الميم، وعرض الردّ الإسلامي عليها. وتظهر حقيقة قيام أيديولوجية مجتمع الميم على هذه الافتراضات التي يمكن التشكيك بها وطعنها، كما فصّلنا في هذا البحث، عدم وجود أي مبرّر للمدافعين عن هذه الحركة لتقديم رؤيتهم على أنّها عامّة وقطعيّة؛ فضلا عن عدم امتلاكهم الأساس المعرفيّ والأخلاقي للاستمرار في حملتهم الأيديولوجية المهيمنة.

لقد عرض هذا البحث الحجج والمزاعم الرئيسة لحركة مجتمع الميم بأسلوب مبسّط، وسلّط الضوء على أخطائها وافتراضاتها غير المنسجمة. كما أثبت صوابية المنظور الإسلامي واتساقه الذي ينصّ على مفهوم موضوعي للخير يقوم على نظرية الأوامر الإلهية. ويجب على المسلمين الاحتكاك مع المنتمين لهذه الأجندة من خلال جهود الدعوة المباركة، لدعوتهم إلى دين الله الحقّ بالحكمة والموعظة الحسنة. ولا بدّ من تنفيذ هذه المهمة بلين وحلم وأناة؛ والتعاطف مع الآخر، واليقين بأنّ الهداية ممكنة بمعيّة الله تعالى ومشيئته. فالدعاة إلى الله أدوات لتحقيق إرداة الله عزّ وجلّ. وينبغي لكلّ داعية إلى الحقّ العمل على تجسيد القاعدة الذهبية للدعوة التي تصوّرها ببهاء الآية الآتية:

﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: 125]  

يُطلع الله تبارك وتعالى في هذه الآية نبيّه صلى الله عليه وسلم – وبالامتداد كلّ فردٍ من أفراد الأمّة – على العناصر الرئيسة التي يجب اشتمال الدعوة عليها. وننوّه في هذا السياق إلى مصطلحين أساسيّين: أولهما لفظ الحكمة الذي يحمل جملة من المعاني العميقة، لعلّ أبرزها امتلاك المهارة لتطبيق العلم الشرعيّ بصورة ملائمة حسب الوضع القائم بغية تحقيق هدف مرتبط بالله تعالى. ويتمثل هذا الهدف في إيقاظ القلوب الغافلة، وجذبها نحو الحقّ. ولا بدّ للداعية في المقام الأوّل التمتّع بالثقة الكافية للتعبير عن التعاليم الصحيحة للإسلام من دون تحريف أو تشويه، وبأسلوب يناسب الشخص الذي يخاطبه.

وتأتي هذه الآية بعد ذلك على ذكر العنصر الثاني الذي يجب إدراجه في عملية الدعوة وهي الموعظة التي تشير إلى استخدام عبارات النصح والتذكير مع الكافرين بالله سبحانه وتعالى. ويعدّ جمع هذين المصطلحين في هذا السياق مهما للغاية لأنّه يدلّ على عدم ترك الكثير من الضّالين لكفرهم بمجرد سماعهم للحقّ؛ وتتمثّل الطريقة الوحيدة في إيقاظ بعض القلوب من خلال استخدام عبارات التذكير بالأناة واللين. ويؤمر الداعية بوعظ الآخر بلين حيث إنّه من الشائع أن يندفع الداعية فتصدر موعظته بغلظة. ولهذا ألحق الله تعالى لفظ “الموعظة” بـ”الحسنة”.[23] ولا بدّ للداعية من زرع صفات الاستقامة والخير في نفسه قبل دعوة الآخر إليها لحصدها في سلوكه. وبذلك، يتقبّل الكافر الرسالة الموجّهة إليه، ويستجيب بشكلٍ إيجابي لدعوة الإسلام. إذا بذل المسلمون جهود الدعوة بفعاليّة، فإن الحركات المفلسة روحيا مثل حركة مجتمع الميم ستنكفئ، وسيستعيد العالم من جديد وعيه الأخلاقي الذي يعظّم الله تعالى ونبيّه صلى الله عليه وسلّم. يملك كل واحدٍ منّا الأدوات الروحية لضخّ هذه التغييرات، ولمس نتائجها في القريب العاجل بفضل الله ورحمته.    

[1]  الكفوي، أبو البقاء أيوب من موسى. الكليّات. تحقيق: عدنان درويش ومحمد المصري. بيروت: مؤسسة الرسالة، 1998. ص. 231.

[2]  ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل. تفسير القرآن العظيم. تحقيق: سامي بن محمد السلّامة. الرياض: دار طيبة، 1999. المجلد الثامن. ص. 90.

[3]  إنجيل متّى. 22:21؛ وإنجيل مرقص. 12:17؛ وإنجيل لوقا 20:25. ومن التفاسير الواردة لهذه الآية، نقرأ ما قاله تفسير Matthew Henry Bible Commentary: “لا إهانة هنا. لقد كان من المشرّف للمسيح وعقيدته عدم التدخل كقاضٍ أو حكم في مثل هذا النوع من الأمور، وتركها كما وُجدت عليه، لأن مملكته ليست من هذا العالم؛ ولقد كان بذلك قدوة لوزرائه، الذين يهتمون بالأمور المقدسة، ولا يخوضون في شجارات حول أمور دنيوية، ولا ينغمسون في النزاعات المرتبطة بها، وإنما يدعون ذلك لأصحاب الشأن. والوزراء الذين يريدون الاهتمام بشؤونهم وإرضاء سيدهم لا يجب عليهم تقييد أنفسهم بشؤون هذه الحياة: فهم يفرّطون بتعاليم الروح القدس، وموكب عنايته عندما يحيدون عن طريقهم.”

https://www.christianity.com/bible/commentary/matthew-henry-complete/matthew/22 تاريخ الزيارة: 28 كانون الثاني/يناير 2024.

[4] John Stuart Mill, On Liberty (London: John W. Parker and Son, 1859), p. 22.

[5]  اشتهر أشعياء بيرلن Isaiah Berlin بالتمييز بين الحقوق السلبية والحقوق الإيجابية في محاضراته وكتاباته، لا سيما بحثه تحت عنوان ”Two Concepts of Liberty” (مفهوما الحرية) ويمكن إيجاده والاطلاع عليه في: Isaiah Berlin, Four Essays on Liberty (Oxford: Oxford University Press, 1969), pp. 118-172.

[6] Chris Meyers, The Moral Defense of Homosexuality: Why Every Argument Against Gay Rights Fails (Lanham: Rowman & Littlefield, 2015) p. 198.

[7] Jeremy Bentham, A Fragment on Government (Cambridge: Cambridge University Press, 1998), p. 3.

[8] Scott B. Rae, Moral Choices: An Introduction to Ethics (Grand Rapids: Zondervan, 2009), p. 77.

[9] Joshua D. Greene, “The Secret Joke of Kant’s Soul,” in Walter Sinnott-Armstrong (ed.), The Neuroscience of Morality: Emotion, Brain Disorders, and Development (Cambridge: Massachusetts Institute of Technology Press, 2008), p. 66.

[10] Ellen D. B. Riggle and Sharon S. Rostosky, A Positive View of LGBTQ: Embracing Identity and Cultivating Well-Being (Lanham: Rowman & Littlefield Publishers, 2012), p. 21.

[11] Mill, On Liberty, pp. 106-107.

[12] Judith Pamela Butler, Gender Trouble: Feminism and the Subversion of Identity (New York: Routledge, 1990), p. 25.

[13] Simone de Beauvoir, The Second Sex, trans. Constance Borde and Sheila Malovany-Chevallier (New York: Vintage Books, 2011), p. 283.

[14]  كان سقراط أوّل من طرح هذا التساؤل، والصيغة الأصلية لهذه المعضلة هي كالآتي: “هل تحبّ الآلهة التقيّ لأنه تقيّ، أم أنّه تقيّ لأنّ الآلهة تحبّه؟

انظر: Plato, Euthyphro, in The Trial and Death of Socrates, trans. G. M. A. Grube (Indianapolis: Hackett, 1983), p. 12.

[15]  الدهولي، شاه ولي الله. حجة الله البالغة. تحقيق: سعيد أحمد بالنبوري. بيروت: دار ابن كثير، 2012. ص. 49-51.

[16]  الكلبي، محمد بن أحمد بن جزي. التسهيل في علوم التنزيل. بيروت: دار الكتب العلمية، 1995. الجزء الثاني. ص. 167-168.

[17]  القرطبي، أبو عبد الله محمد. الجامع لأحكام القرآن. بيروت: مؤسسة الرسالة، 2006. الجزء الثاني. ص. 420-421.

[18]  البيضاوي. أنوار التنزيل وأسرار التأويل. بيروت: دار إحياء التراث العربي. الجزء الأول. ص. 69.

[19]  ابن حنبل، أحمد. مسند الإمام أحمد بن حنبل. بيروت: مؤسسة الرسالة، 1999). المجلد 27. ص. 217؛ والبخاري، محمد بن إسماعيل. التاريخ الكبير. حيدرأباد: دائرة المعارف العثمانية، 1941. المجلد الثاني. ص. 49. وصنّف شعيب الأرناؤوط وإبراهيم الزيبق هذا الحديث بالحسن لغيره.

[20]  البخاري، محمد بن إسماعيل. صحيح البخاري. بيروت: دار ابن كثير، 2002. ص. 13-14؛ والنيسابوري، مسلم بن الحجاج. صحيح مسلم. الرياض: دار طيبة، 2006. ص. 40.

[21]  البكري الصديقي، محمد علي بن علان. دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين. بيروت: دار الفكر، 2018. المجلد الثاني. ص. 18.

[22]  للتعرّف على صدق الإسلام، انظر: تزورتزس، حمزة أندرياس. الحقيقة الإلهية: الله، والإسلام وسراب الإلحاد. ترجمة: نايف الملا. الطبعة الأولى. الرياض: مركز دلائل، 2017.

[23]  ابن عاشور، محمد الطاهر. تفسير التحرير والتنوير. تونس: الدار التونسيّة، 2008. المجلد 14. ص. 329.

حمزة تزورتزس

حمزة تزورتزس

الرئيس التنفيذي لمعهد سابينس